دسوقي أحمد
دسوقي أحمد
2 k

في ذم السادة "مُثقفي الإفتاء"

10/10/2016
قبل بضعة أسابيع، ناجزت مريضًا بالتهاب رئوي حاد في رئته اليمنى، أعقب جراحة استئصالية لجُزء من الرئة بسبب سرطان محدود الانتشار. المريض تحسن ولله الحمد تحت العلاج وتماثل للشفاء، وقررنا إنهاء حجزه بالمشفى. قبيل خروجه بساعتين، أخبرتني الممرضة المسئولة عنه، أن أفراد عائلة المريض يودون التحدث إلى الطبيب المعالج. أخبرتني مارتينا كذلك أن الابنة أظهرت عدم رضاء واضح عن المناجزة الطبية لوالدها.

حسنًا، في كل الأحوال لم يكن لي أن أرفض إجراء مثل هذا الحديث، فذهبت إلى العائلة المتحفزة في غرفة المريض، وحصلت على موافقته الشفهية أن يتم مناقشة حالته الصحية، وتفاصيل العلاج، مع أفراد عائلته. بدا لي الجمع متحفزًا، وكان أشدهم تحفزًا الابنة الصغرى التي أعدت ورقة مكتوب فيها عدد من الأسئلة. جلست على أحد الكراسي بالغرفة، أسندت ظهري وأشرت للابنة الصغرى المُتوترة بيدي وقلت: أعتقد أنك يمكن أن تبدئي أسئلتك المعدة مسبقًا.

نعارض أن يتصدر غير المختصون بآراء خاطئة في مجال من المجالات، ويجمعون الرأي عليها، فإذا ما قوبلوا بالاعتراض أظهروا في وجوهنا سيوف الحرية.
لم يخب ظني ولا ظن الممرضة، كانت الابنة متحفزة حقًا وجعلت تنتقد كل شيء، كل شيء حتى خدمة المصاعد! وجعلت أجيبها عما يخصني وأُحيلها على آخرين ممن يشملهم انتقادها. حتى جاءت اللحظة الحاسمة وجعلت تنتقد خطوتي بإيقاف المضادات الحيوية بعد 7 أيام من بدئه، وتطلب مني أن أَستأنف العلاج الذي وقعت على إيقافه بالأمس. أجبتها بأن خطوة الإيقاف تمت بعد فحص دقيق، وأن قرار إيقاف المضادات الحيوية تم وفق القواعد الطبية والخطوط الإرشادية الموحدة. لم تقتنع، وجعلت تخبرني من قِراءاتها المتعددة ما تظنه يجعل قراري خاطئًا، فأجبتها ألا حاجة لها بهكذا مناقشة، فهي ليست مختصة، وأن هذه القراءات ليست إلا معلومات تثقيفية لا يمكن بها مناجزة المريض طبيًا.

لكن الابنة لم تقتنع، واصلت اللجاج، عَلى صوتها قليلًا فنبَّهتُها لذلك، ثم ألقت بقنبلتها إِلَيّ: ما الذي يجعل قرارك يتميز إذًا عما قرأته أنا، أليست المفردات واحدة؟ حينها كان لابد لي من أن أوقف هذه الفوضى الصاخبة، فأجبتها: تريدين أن تعرفي لماذا يتميز قراري عن قرارك؟ حسنًا. أنت قرأت شيئا من هنا وهناك، وجِئت تطلبين مني تغيير العلاج، هل تعلمين كم تكلفت من الوقت ومن الجهد في حياتي كي أستطيع وصف هذا العلاج لوالدك؟

في سنتي الأولى والثانية لدراسة الطب تعلمت كيف تعمل الرئة، وكيف تبدو على مستوياتها الخلوية والتشريحية. وفي السنة الثالثة تعلمت كيف تمرض الرئة، وتعرفت على الميكروبات التي يمكن أن تصيبها، ثم تعرفت على الأدوية التي يمكن علاج الرئة بها. وفي مادتي الباطنة والجراحة تعلمت الكثير عن الأعراض المرضية والعلامات التشخيصية، فضلا عن العلاج التحفظي أو الجراحي. ومنذ 5 أعوام أمارس يوميًا هذا العمل بصورة تطبيقية، ولذلك فإن مقارنة معرفتي الطبية بمعرفتك الثقافية أيا كان نوعها، هو نوع من العبث الذي ينبغي أن تترفع عنه الممارسة الطبية الصحيحة. ثم أضفت وأنا أقوم من مقعدي منهيًا الحوار: لماذا إذًا أحضرت والدك إلى المشفى ولم تقومي بِعلاجه بمعرفتك الطبية التي تسمح لك بمثل هذا النقاش!

هذا الحوار أعاد إلى ذاكرتي سؤالًا طالما شغلني للغاية عن تلك الفتاوى والجدليات الغاية في التعقيد التي يتصدر لها في فضاؤنا الالكتروني غير المتخصصين بصورة يومية باتت مزعجة للغاية. الأكثر إزعاجًا بالنسبة لي، هو تفسير هذه الفوضى الفكرية أنها نوع من الثراء والتجديد. وأنا لا أدري أي تَجديد أن يستخدم أحدهم معلومات عامة غير متخصصة، ليخرج بإِفادات متخصصة وموجهة لقطاع يطلب الفتوى في أمر ما. أي عبث هذا؟ 

يمتاز المختص في رأيي عن غيره من المثقفين في مجال من المجالات، بثلاثة أمور:
أولها: دراسته للعلوم الأساسية المؤسسة للفن الذي يتعرض له، وهذا ينظم كل المجالات العلمية والنظرية، سواء التي لها تطبيق نظري، أو فكري، في حياتنا اليومية.

ثانيها: قدرته من خلال هذه الدراسة على الربط بين هذه العلوم في وحدة متكاملة ومترابطة، ينتج عنها صورة إجمالية تتكون من العلوم الأساسية، غير أن منتجها النهائي لا يشبه العلوم الأساسية لهذا الفن.

ثالثها: أن خبرة المتخصص ودُربته، تجعله قادرا على حل الإشكالات المتشابهة داخل الفَن، وهذا الأمر في رأيي أحد أهم أسباب سخط المتخصصين على طائفة (مثقفي الإفتاء) المضطرد نموها يومًا بعد يوم. أعلم أن كثيرًا من القراء سوف ينحاز إلى صف الطبيب في مثالي المذكور بأول المقال، لذلك فإني أزعُم أن هذه القاعدة تضْطَرِد في كل المجالات تقريبًا. انظر من حولك إلى مجالات مثل الشريعة والاقتصاد -باعتبار أن الدين والمال يَماسُّ معظم الناس- وتطلع إلى حجم الجناية في المجالين في فتاوى غير المتخصصين.

إنني أزعم أن كثيرًا مما يعتبره جمهور الفضاء الالكتروني تجديدا حداثيًا في أمور الشريعة، وسابقة نادرةً، ونظرًا نفيسًا، يوقف الإشكالات الظاهرة ويواجه التقليد الجامد بشجاعة غامرة، ليس إلا شُبَهًا ظاهرها التعارض يتناولها علماء الإسلام منذ قرون بالنقض والرد والتفكيك. بل إني أزعم أن دارسي العلوم الشرعية الذين هم في طريقهم نحو التخصص عبر دراسة منهجية، يعلمون عن هذه الشُبَه ويستطيعون نقضها بكل أريحية، غير أن (وهج الحداثة) و(موضة التجديد) بالإضافة إلى جمهور الفضاء الالكتروني المتحمس للغرائب، تُظهر الأمر بصورة تغاير الحقيقة تمامًا.

نصيحتي لكل من أراد أن يتصدر في فن من الفنون، أن ادخلوا البيوت من أبوابها ولا تتسوّروها فتزل بأقدامكم أقدام.
وقد يعترض صديق، أن الأمر في مجالات كالطب والهندسة وأمثالهما من العلوم التطبيقية، يختلف عن مجالات تمس الحياة الشخصية والمعتقد الذاتي للإنسان، وأن سريان ذات القواعد على المجالين هو أمر غير موفق، ولهذه الحجة عندي دَفعَين:

أولها: أن العلوم التطبيقية تماسُّ كذلك حياة الإنسان وتؤثر فيه، ثم إن كلا المجالين مضطرد بقواعد وأساسيات وتداخلات متشابهة، يكتنفهم جميعًا منهج علميٌّ مقارب تظهر التجربة تقاربه وتشابهه على أصعدة مختلفة.

ثانيها: أن الاعتراض هنا ليس على مجال الحياة الشخصية، فهذا مجال رحبٌ جدا. يمكن للمريض أن يرفض العلاج ويختار لنفسه ما يحب ولو كان خطئًا، ويمكن للمعتقد أن يختار لنفسه ولو كان هرطقةً وكفرًا. هذا كله لا دخل لنا به. إنما نعارض أن يتصدر هؤلاء بآراء خاطئة في مجال من المجالات، يدعون الناس إليها ويجمعون الرأي عليها، فإذا ما قوبلوا بالاعتراض أظهروا في وجوهنا سيوف الحرية كأننا رهبان العصور الوسطى الذين يريدون حرق علماء الطبيعيات.

وأشد من هذا وطأةً على النفس حين يدعوننا –أعني المتخصصين- إلى تبني آرائهم والاعتداد بخلافهم، وهذا في رأيي جريمة نجنيها ليس فقط على العلم، بل على منهج التفكير السليم الذي تراكمت أركانه على مدار التاريخ. الأمر بالطبع في مجال العلوم التطبيقية أهون بكثير وأشد انضباطًا عبر قرارات المجامع العلمية والجمعيات المتخصصة، وهو ما لا يستقيم للأسف في مجتمعاتنا العربية، وهو أشد منه فوضى في المجالات النظرية كالسِّياسة والشريعة.

ونصيحتي لكل من أراد أن يتصدر في فن من الفنون، أن اُدخلوا البيوت من أبوابها ولاتَتَسوّروها فتزل بِأَقدامِكم أقدام.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة