دسوقي أحمد
دسوقي أحمد
6.9 k

في معنى أن تكون بدينًا!

22/10/2016
قبل 15 عامًا، أخضعتني جدتي –نوّر الله قبرها- لحِمية غِذائية مُكثفة بهدف إنقاص الوزن. نجحت الحمية وفقدت في شهور قليلة 18 كيلوجراما وخرجت يومها برفقة بعض الأصدقاء لنشتري بعض الملابس الملائمة.

لم أكن بالطبع قد فارقت عالم البدانة، ولجنا إلى أحد المحلات وسألت البائع بكل لطف أن يريني بضاعته!

لازلت وربي أذكر تَجَهُّمَهُ في وجهي وهو يحدجني بنظرة قاسية قائلًا: أنظروني قليلًا لعلي أجدُ لهذا شيئًا يرتديه! ثم أضاف: أولئك البُدناء لا نفع من ورائهم.

أن تكون بدينًا يعني أنك لست الأسرع بين زملائك حين يتسابقون، لست الأمهر حين يتبارون.
ولم تكن هذه تجربتي الأولى مع قلة الذوق واللياقة التي يمتهنها أهل بلدتي مع أمثالي من البُدَناء.
حسنًا: هذا ليس سرًا ولست أخشى أن أذيعه فأنا ياصديقي بدين منذ الصغر وهو أمر لايرتبط فقط بعادات غذائية سيئة وإنما مرده إلى جينات عائلية مشتركة في عائلتي أبي وأمي.

أذكر أنا كنا صغارًا نلعب في باحة أحد منازل الجيران "استغماية". بالطبع لم أكن الأسرع، ولم أكن الأمهر ولم أكن أعرف يومها ما الذي أجيده بين أقراني. أفلت مني أحد منافسينا وسجل في فريقنا نقطة لصالحه فتدعى رفقائي على لومي وأغلظ اثنان منهم في القول لي ونعتوني يومها بالـ"بدين". زادوا في الأمر وكرروا وقرروا وصاحوا وتصايحوا.

يومها غلى الدم في عروقي ولم أشعر بنفسي إلا حين جعل الأقران يستعطفوني أن أكف عن ضربهم.
حكى لي بعضهم أني قضمت ذراع أحدهم بأسناني وأنه رأى الدم يخرج من محل القضمة. أقسم لي أيضًا أن الطفل الآخر ظل يصيح طالبًا العفو وقد حصرته بجسدي البدين بالحائط وقد ازرقّ لونه وأوشك على الهلاك! يومها علمت ما الذي قد يجيده بدين مثلي وكيف يستطيع أن يكف عادية الشتائم والإهانات.

أن تكون بدينًا يعني أنك لست الأسرع بين زملائك حين يتسابقون، لست الأمهر حين يتبارون، لست بالتأكيد الأكثر وسامةً حين يتسابقون في مراهقتهم على حب بنت الجيران أو زميلة الفصل أو حتى الفتاة التي تقابلهم يوميًا عند محطة الأتوبيس.

إذا أجدت في إجاباتك على معلم الفصل، نعتك أنك تم تغذيتك جيدًا وأن أموال أبيك لم تذهب هدرًا! وإذا أخطأت جعل يتحسر على ما أنفقه أبوك في تغذيتك. لازلت أذكر مقولة معلم الرياضيات لي وهو يقارنني بزميل ضعيف الجسم استطاع حلّ مسألة رياضية عجزت أنا عنها. ربما تضحك إذا أخبرتك أني أبكي أحيانًا حين أتذكر هذا الموقف. هكذا يسير البدين بين الناس وهو محل مقارنة مستمرة لاتنتهي. ثم إذا رأوه تتأبط ذراعه امرأةٌ حسناء، هزوا رؤوسهم وتعجبوا من أقدار الله التي جمعت مثل هذا البدين بشحومه وترهلاته بتلك الجميلة ذات القَدّ الرشيق! كيف رضيت هي أصلًا به!؟

البُدناء يبكون، وهم كما يقول المصريون: ذوو دمعة قريبة! أعجبُ بكاءٍ رأيته في حياتي كان لبدين من المساكين المصابين بمتلازمة داون الشهيرة. هل تعلم ماذا يسمي المصريون هذه المتلازمة؟ يسمونها "العته المغولي" وهي تسمية قبيحة لا سامح الله من ابتدأها. كان هذا المسكين بدينًا ذا جثةٍ عظيمة لأبوين فقراء يعيشون في قرية صغيرة بأحد أرياف مصر.

وأنى لهؤلاء علمٌ أو مالٌ أو قدرةٌ على تعليم مثل هذا الطفل وتربيته! فبعثوه إلى حدادٍ سليط اللسان سيئ الخُلُق عَلَّه يجلبُ لأهله مايعينهم على معاشه. ولقد رأيتُ ذلك الصبي المسكين في ملابس عملٍ رثة وهو يدُقُّ الحديد على النار طيلة النهار وصاحب الحِدادة لايكف عن سبِّه يستغل ضعف عقله ويسخرُ من بدانته حتّى أنهُ تمادى فأطاح ببعض الأرغفة من أمام الصبي المسكين وهو يأكل ولايفهم سبب ثورة صاحب العمل. ثم إنه –أي الصبي- جعل يتتبع الأرغفة وينظفها ويأكلها وصاحب العمل يتتبعه ويضربه والمسكين لايفهم شيئًا ويواصل الأكل.

ثم إن الحداد الظالم جعل يسخر بالصبي ويشير لبطنه العظيمة ثم يربت عليها ويتضاحك هو ورفقاء جلسته حتى غضب الصبي وأمسك بحديدة في يده وجعل رأس الحدادِ تحت إبطه الآخر وأخذ يشج رأسه بالحديد حتى أدماه. فاجتمع الناس وجعلوا يستعطفون الصبي ويترجونه أن يترك صاحبهم وهو يأبى فيلاطفوه حتى انتبه إلى الدم فجعل يبكي لكنه لايترك رأس الرجل. حتى أقبلت عجوزٌ من أهل البلد، نزلت عن حِمارها وتأبطت يد الصبي ودموعها تسابقها، فَلاَن لها وترك صاحبه لحاله. بيني وبين الحادثة مايزيد عن العِقدين وأنا أذكر دعاء العجوز على الظالمين الذين يسخرون منه ولا يراعونه.

هكذا رأيت البُدَناء في بلدي وأنا "بدينٌ صغير" أعيشُ في ورف أهلي وحَيِّهم، ما لاقيت من هذا العنت إلا القليل إلا أني رأيت غيري يعانون. وحين كبرت أبصرت ألوانًا أُخري وصنوفًا متنوعة من معاناة البدناء.

أما البدينات فحدث ولاحرج عن العنت الذي يلاقينه في حياتهن وعن نظرة المجتمع الشرقي لهن وقلة تقديرهن.
أنت المسافر الغير مرغوب فيه لقائدي ومرتادي مركبات النقل العامة، وسبب تأفف الراكب بجوارك وسبب ضيق الراكب الذي تمر بجواره في صعودك وهبوطك. أنت الزميل الذي يعرض كثير من زملائه على دعوته للركوب معهم في سياراتهم الخاصة وأنت كذلك من ينتظر دائما في أي نشاط رياضي أن يعطف عليه أحدهم ويعطيه الفرصة ليشارك في لعب الكرة أو غيرها.

أعرضت تمامًا بسبب هذا الأمر عن مشاركة أصدقائي لعب كرة القدم ولازلت أذكر يومًا قول أحد أصدقاء الدراسة لرفيقه الذي يشير عليه أن يختارني في فريقه للعب كرة القدم: لا ياعم نحن أصدقاء لكنه لايزال بدينًا!

أما البدينات فحدث ولاحرج عن العنت الذي يلاقينه في حياتهن وعن نظرة المجتمع الشرقي لهن وقلة تقديرهن. في بلدتي كنت أسمع الجارات "الطيبات الفاضلات" يتهامسن عند مرور شابة بدينة من بلدة مجاورة تأتي للدراسة في أحد معاهد البلدة. كن يلمزنها، يتحسرن على حالها وعلى قلة فرصتها في الزواج، حتى أن إحداهن أوقفتها ذات مرة وقست عليها وهي تطالبها بالكف عن الأكل والخضوع لحمية لعل أحدا يرغب في زواجها ولعل "بختها" يأتيها.

وقفلت الشابة باكية عائدة لبيت أبيها ولم أرها مرة أخرى تمر من هذا الطريق. قبل أيام حكى بعض فاقدي البصر كيف يضايقه أطفال بعض الحارات التي يضطر للمرور بها. وهذا للأسف مسلك سيئٌ ينتشر في مجتمعاتنا التي لاتعترف بأصحاب الاحتياجات الخاصة ولاتراعيهم وقد رأيته في حق أمثالي من البدناء.. كثيرًا جدًا.

اليوم نقلت إحدى مريضاتي من إحدى الوحدات إلى أخرى في طابق أعلى لأسباب تنظيمية بحتة. المريضة بدينة للغاية، وفي حالة مرضية مزرية فتحتاج إلى كثيرِ مساعدة. حين قابلت ممرضة القسم بادرتني متسائلة لماذا نقلت المريضة "س" إلى قسمنا؟. لم تكن تحتاج لإجابة بل أرادت أن تعبر عن استيائها وقد أظهرته بشكل مباشر قائلة: لو أنك نقلت إلينا نصف القسم كان أهون من هذه المريضة، إنها بكل بساطة بدينة وغير مرغوب فيها.

حين ولجت لزيارة السيدة "س" وبعد دقائق من الفحص الطبي وبعض المناجزات ذكرت لي أنها سمعت حديث الممرضة وأنها استاءت بعض الشيء لكنها لاترغب في تصعيد الأمر بأي صورة. أضافت لي مباشرة قبل أن أخرج: قد عشت طيلة عمري بدينة وليس جديدًا على أن أُحِسَّ بأني غير مرغوب بي.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة