وائل أبوهلال
وائل أبوهلال
1.4 k

فلسطين أيقونة الأحرار

31/10/2016
ليس غروراً - لا واللهِ - ولا إدّعاءً، فلسطين قبلة الأحياء والأشياء والأحِبّاء والأعداء والأصدقاء والأحرار والشهداء. هي القدس في الأرض وبوابة المعراج للسماء، هي أخت مكّة وطَيْبة، هي سورة التّين والزيتون، سورة الإسراء.

فلسطين "سيّدة الأرض"، وأمّ قضايا الكون منذ أكثر من قرن، يعرف تفاصيلها وأسماء مدنها وقراها بل وحاراتها "آلُ البيت" وأهل السّندِ والهندِ، وعرب طنجة، وأعاجم جاكرتا، وفُرْس الشّرق، وروم الغرب، وأثرياء لاس فيجاس وباريس، ومعدمو بوركينافاسو وراوندا، وكلّ من دبّ على الأرض. حتى وإن اختلفوا فيها وعَليها وحولها، يعرفونها، يعرفون قضيّتها، ويعرفون مَن اغتصبها حتى وإنْ أنكروا.

هذه فلسطين التي يعشقها أهلها، لا يتنفسون إلا هواءها حتى وإن اختنقوا في غربتهم، ولا يشربون إلا ماءها حتى وإن ظمئوا في صحراء هجرتهم.
مَن أراد أنْ يُكتب في سجّل الخلود فليكن له سهمٌ في فلسطين؛ هي الرواية لمن أراد روايتها، والحكاية لمَن أحبّ حكايتها، والقصيدة التي يُزيّن بها الشعراء دوواينهم. هي الآية والتعويذة والتميمة والترنيمة والنّوتة. فيها ما "يريحُ" العبّاد والنسّاك، والسحرة، والمشعوذين، والحُجّاب، والعرّافين والملحنين.

أيُّ حديث عن الثورة والثوّار دون حضورها خواء، وكلّ تنظير في المقاومة دون تلاوة ملاحمها هراء. هي النّموذج والأسطورة والواقع والخيال للحريّة والأحرار. هي "دليل" المعارك للقادة والجنود؛ فمن أراد أنْ يوحّد صفوفه فليحمل راية فلسطين، فسيتبعه كلّ المجاهدين والقاعدين و"المُخَلَّفين" والمتخلِّفين. هي "طلائع الأمل" في العلم، ودرويش في الشعر، والياسين في معجزات الثورة، والقسّام في الجهاد، والحسيني في المقاومة. هي الرّموز كلّ الرّموز، هي الأسماء كلّ الأسماء، هي الإبداع في كلّ الأشياء.

هي فلسطين، ووحدها فلسطين، التي لا يستطيع حتى شانئوها أنْ يجهروا بكراهيتها. ربّما يحقدون عليها ويتآمرون ويمكرون بها ليلاً ونهاراً، لكنّهم لا يجرؤون إلا أنْ يخرجوا صباحاً ومساءً "ليتمسّحوا" بحبّها ومدحها والعمل لها، والتباكي على ضحاياها، والفخر بتضحيات أبطالها وشهدائها.

فلسطين هي البيان الانتخابي لكل من يريد أن يمتطي صهوة النجاح حتى لو كان ذلك سمعةً ورياءً، وهي اختبار الزعامة لمن أراد أن يكون زعيماً محليّاً أو دولياً، ومقياس الشهرة للمتطلّعين للنجومية، وبيت الخبرة للسّاسة. في دهاليز "قضيّتها" تتناثر كلّ خبايا علوم السياسة والإعلام والإدارة و"فنون العلاقات الدولية" والمؤامرات والتتسويات والصراعات والمواثيق والاتفاقيات والمؤتمرات والقرارات الأممية والإقليمية. من أراد التزلف "للشيطان" ينفث شعوذات القضاء على فلسطين والفلسطينيين، ومن أراد التقرّب للرّحمن كانت "آيات" فلسطين تميمته ودعواته وصلواته.

هذه فلسطين التي يعشقها أهلها ويتغنّون بها، فلا تلومهم. إنّها أيقونتهم التي لا يملّون تأمَّلها صباح مساء، لا يتنفسّون إلاّ هواءها حتى وإن اختنقوا في غربتهم، ولا يشربون إلاّ ماءها حتى وإن ظمئوا في صحراء هجرتهم. فكلّ أنهار الدنيا بالنّسبة لهم سراب. هذه فلسطين بكلّ هذا البهاء والنقاء والصفاء والحبّ والدلال، وتعلّق الملايين بها، وولائهم لها، والألَق والثورة والمقاومة والعزّة، والتّوْق للحريّة والتراتيل والتعاويذ والقصائد والأغاني.. متسربلة بكل هذه المعاني ما زالت تئنّ تحت أسوأ احتلال في التاريخ، فلا تنسوها.

مئة عامٍ من الاحتلال والقهر والتشرّد والهجرة والاستبداد والاستيطان.. لا يمكن أن تُنسى. وهي لن تنسى كلّ حرٍّ حمل رايتها ودافع عن معاناتها ومعاناة أهلها، هيّ حرّة والحرّ من راعى وداد لحظة. ولذلك فإنّها تقف اليوم بكلّ إرثها الثوري معتزّة بصمود ثوّار الأمّة وأحراراها الذين سطّروا ويسطّروا أعظم ملاحم البطولة في مواجهة كلّ قوى الغزو الغربي والشرقي والطائفي؛ لأنّها تعلم أنّه لن يحرّرها إلاّ أحرار.

آخر الكلام قال الشاعر: "فاضت جروحُ فلسطين مذكّرةً جرحاً بأندلس للآن ما التأما!"
وأقول: لن تلتئم جروح فلسطين إلاّ بالتئام جراحات الأمّة النازفة.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة