سومر العبيد
سومر العبيد
1.6 k

تأمُّل فعل الكتابة.. مُعايشةً لا عيشًا!

4/10/2016

عقدتُ العزمَ منذ مدّة، على أن أكتبَ عن الكتابة، لكنّني سوَّفتُ حتّى عادَتْني الفكرة مرةً أخرى، منبِّهةً إلى أنّني عاجزٌ بالفعل عن الكتابةِ! لم أفعلْ كما تقولُ أغوتا كريستوف: "أكتفي بالكتابة في رأسي. فمثلُ هذا أيسرُ بكثير، في الرأس كلُّ الأمور تجري دونَ مشَقَّات".
 

كنتُ أتأمَّل كتابتي عن الموضوع، قبل تأمُّل الكتابة أصلًا، ممّا دفعني لإلحاقِ جملةٍ قصيرة بالعنوان، تُعفيني من مسائلةٍ كبيرة عمّا إذا كان من حقّي بالفعل أن أكتبَ عن الكتابة، فوجدتُ أنَّه من المناسب أن أكتبَ عن الكتابة معايشةً، لا عيشًا. كنظرةِ بحّارٍ إلى الماء، وليس سمكةً.
 

كتبتُ الفقرة الأولى، وبدأتُ أتساءَل هل ما قلتُه قبلَ قليل، كنتُ أفكّرُ فيه بالفعل؟ أؤمنُ أنَّ الكلمات شيءٌ من (الموجودات) في ذاتها، الكلمة ليستْ كلمةً فحسب، أعلمُ أنَّ المسألةَ صعبة لكنّني أشعرُها شيئًا قائمًا، جزءًا من الأشياء، التي تتمثَّلُ في موادّ جامدة.
 

الكتابةُ فعلٌ أنانيٌّ وطارد، يفرض درجةً من العزلة الداخليّة، ينفيكَ عمّن حولك أو ينفي مَن حولك

إلّا أنَّ نقْلَها من أفكار إلى كلمات، يبعثُ فيها روحًا تصبحُ للكلماتِ حياة، تتحوَّلُ إلى معانٍ مصنوعة، فتفقدُ شيئًا من قيمتها السّامية التي كانت عليها كفكرة - كالإنسان، فكرةً ووجودًا- ممّا يُعطيها قناعًا، يجعلُها تبدو أخفضَ مِنْ سمائها التي حلَّقَتْ فيها كفكرة. في ذاتِ الوقت، لا أؤمنُ أنَّ الكلمات تُنْقصُ قيمةَ الفكرة. القيمةُ ثابتة، لكنَّ المسألة مسألةُ حصْر. قضبانٌ تحيطُ الفكرة، حتّى تتمثَّلَ في كلمة، الأمر أشبهُ ما يكون بثنْيِ جناحَيْ طائر!
 

تقولُ رضوى عاشور: "الكتابةُ فعلٌ أنانيٌّ وطارد، يفرض درجةً من العزلة الداخليّة، ينفيكَ عمّن حولك أو ينفي مَن حولك، يضعُهم على الرفِّ إلى حين، لأنك حتّى وإن كنت تجلسُ معهم، تشاركهم الأكل أو الكلام فأنت في مكانٍ آخر".
 

الكتابة، تركيبٌ ذو عمودين، أحدُهما أفقيّ، في حين أنّ الآخر قائم. الخطّ الأفقي يمثّلُ اتّصال الإنسان بنفسه، وهو أمتنُ مِن الآخر، لأنَّ الكتابة فعلًا أنانيّة. بينما الآخر هشٌّ بعض الشيء، لكن ليس كثيرًا، لأنَّه يمثّلُ الآخر، يمثّلُ الناس، يمثّلُ الغير. والغيرُ والأنا لا يلتقيان في غيرِ نقطةٍ وحيدة، هي صلبُ الكتابة: أن نكتبَ عن الأنا، في شيءٍ من الآخر!
 

لكنَّ سؤالًا كبيرًا، ينمو أكثرَ، فأكثر. سؤالٌ جوهرِيّ، إنّه: لماذا نكتب؟ في الحقيقة، إذا اعتبرْنا أنَّ هناك حقيقةً أصلًا -وهذا موضوعٌ منفردٌ بذاته- فإنَّه لا إجابةَ لسؤال كهذا. قد نكتبُ لمواجهة خيبة، أو امتحانِ مقدرة، أو امتنانٍ لشيءٍ جميلٍ في هذا العالَم، أو نتيجةَ استقرارٍ داخليّ، أو حتّى اضطرابٍ داخليّ، وربما خارجيّ.
 

لكنَّ شيئًا واحدًا لا أنساه، سببٌ يشملُ جميع ما سبق، وهو قولُ رضوى عاشور عن كتاباتها، أنَّها تكتب كمحاولةٍ للتعامل مع الهزيمة! بناءً على هذا، فإنّ كتابتنا، حتّى في حال السعادة، هي محاولةٌ لمواجهة هزيمةٍ قديمة، والسخريةِ منها. أو مواجهة هزيمةٍ محتمَلةٍ قادمة، بأنْ نُثمّنَ اللحظة، بكتابة شيءٍ يعنيها. وربما تكون محاولة استرضاءٍ للهزيمة، كشكلٍ من أشكال اتخاذِ موقفٍ ما.
 

هناك دائرةٌ كبيرة، كبيرةٌ إلى حدٍّ لا يُطمْئن، تعني محاولةَ التعامل مع الهزيمة ككلّ، إنَّها ما يقوله ميلان كونديرا عن الكائن العجيب، الذي هو نحن: "الإنسان مسؤولٌ عن جهْلِه، الجهل خطيئة". الجهل، أكبرُ هزيمةٍ علينا التعاملُ معها. إنّه عدوّ الإنسان.
 

الكتابة فعلُ اكتشاف، اكتشافٌ للذات، في حال اللاوعي، واكتشافٌ للآخر في حال الوعي، حين تسبق الأفكار للكلمات

تقول توني موريسون: "لم أكن أعلمُ برغبتي في أن أغدو كاتبة.. فقد ظننتُ حينها أن كلّ ما ينبغي أن يُكتَب قد كُتب بالفعل وانتهى الأمر". هذه فكرةٌ معقّدة، كثيرًا ما تمرُّ وتُطْرَح: هل كلّ شيء كُتبَ عنه وانتهى الأمر، كما كانت تعتقد موريسون؟
 

في صغري، كنتُ أتحسّرُ قائلًا لوالدتي: ما الذي سنفعلُه في العالَم بعدما نكبُر؟ كلّ شيءٍ عُرِف. لكنّها -وحتّى اليوم- تخبرني أنّ هناك الكثير الذي لا نعلمُه، وعلينا أن نجدَه. عزَّزَ إيماني هذا ما يقوله بول أوستر: "في اللحظة التي نخطو فيها داخل الذاكرة، نخطو أيضًا داخلَ العالَم" وعلمتُ أنَّ الإنسان ما دام إنسانًا فلديه الكثيرُ حتّى يكتبَه.
 

مسألةٌ أخرى، كنتُ أفكّر فيها: ما الذي يصنعُ الآخر؟ هل استرسالُ الكلمات، قبلَ الأفكار؟ أم أنّ الأفكار هي التي تولّدُ الكلمات؟ سؤالٌ كهذا، لا يأخذُنا سوى نحو البيضة والدجاجة، لكنّنا في منأى عن مثل هذه المجادلات. هل الكتابة، تأديةٌ وظيفيّة، أو بطريقةٍ أخرى: طقسٌ؟ لا أظنُّ ذلك، حتّى إذا اعتبرنا بأنّ الكاتب قدْ يكتبُ دونَ أن يعلم ما يكتب.
 

في النهاية، تكون الكتابة - حتّى في اللاوعي- نتاجَ تأثيراتٍ متبوعةٍ بالكتابة أو مسبوقةٍ بها، أو حتّى متّسقةٍ معها، لكنّ انتهاءَها غيرُ معلوم. يقول فروست: "لم يسبقْ لي أن بدأت كتابة قصيدة أعرفُ نهايَتها". الكتابة فعلُ اكتشاف، اكتشافٌ للذات، في حال اللاوعي، واكتشافٌ للآخر في حال الوعي، حين تسبق الأفكار للكلمات.
 

"الإنسان الذي لم يعد له وطن، يتّخذ من الكتابة وطنًا يقيم فيه". وأظنّني - فعلًا - صرتُ أستدلُّ وطني

يحيّرُني أحيانًا ما يقوله البعض عن كون الكُتّاب يعانون، أو أنَّ مجموعةً منهم مِن ثقل العبءِ عليهم، وصلوا مرحلة الانتحار! لكنّها معاناةٌ مستساغة. الأمر عجيب، حتّى لا يُمكن تشبيهُه. قد يكون مثلًا كخوضِ مغامرة، تسلّق جبلٍ بلا حبل، غوصٌ بين سمكات قرش، دخولُ غابة، شيءٌ من هذا القبيل لكنّه ممتعٌ ما يزال. كما يقول حمّور زيادة: "الكتابة هي أجمل ما يتمنّاه الإنسان لنفسه، وهي أسوء ما يعاني منه الإنسان".
 

الكتابة لا تقتصرُ على محدوديّات، نضعُها في إطار فوائد، أو نقاطٍ في كتابٍ مدرسيّ. (الكتابةُ الإنسان. الكتابةُ التاريخ. الكتابةُ الحياة)، أو كما يقول هرمان هيسه: "دون كلماتٍ أو كتابةٍ أو كتب لم يكن ليوجد شيءٌ اسمه تاريخ، ولم يكن ليوجد مبدأ الإنسانيّة".
 

أعلمُ أنَّ أفكارًا كثيرة تداخلَتْ في بعضها، في جوفِ النصّ، وحملَتْ معانٍ أخرى، وقد تبدو غيرَ مترابطة، لكنّني أواسي نفسي بما تقوله رضوى عاشور: "الرباط قيدٌ يُلجِّمُ المعنى ويدفع به في اتجاهٍ محكوم". أمَّا أخيرًا فلا يسعني إلّا أن أعيدَ ما يقوله إدوارد سعيد: "الإنسان الذي لم يعد له وطن، يتّخذ من الكتابة وطنًا يقيم فيه". وأظنّني - فعلًا - صرتُ أستدلُّ وطني.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة