ياسر أحمد علي
ياسر أحمد علي
983

مجزرة صبرا وشاتيلا ما زالت مستمرة

8/10/2016

لم تدم مجزرة صبرا وشاتيلا إلا يومين، من الساعة الخامسة والنصف بعد عصر يوم الخميس في 16 أيلول (سبتمبر) 1982، حتى صباح السبت 18 أيلول (سبتمبر) 1982. غير أن فصولها لم تنتهِ بعد.

أزور مكان المجزرة كل عام، وأرى الوفود الأجنبية التي تحضر للتضامن مع ضحايا المجزرة. كما قابلت صديقي محمود كلّم الذي عاش في شاتيلا بين عائلات الضحايا، ووثق أسماء الشهداء وقصصهم.

وتابعتُ المحاكمات، وظللت أسأل نفسي، هل سيُرفع الظلم بكسب معركة الدعوى التي كانت مرفوعة يومها في بلجيكا ضد أرييل شارون، الذي كان وزير حرب الكياني الصهيوني، وكان يشاهد المجزرة ومجرياتها عن قرب، كَسْب الدعوى يختلف عن رفع الظلم وإحقاق الحق..

المفاجأة أن المجزرة شبه غائبة عن أهالي المخيم بالقياس إلى الهمّ اليومي القائم. وهو الهم الذي ستراه وتسمعه لو تجوّلتَ معي في رحلتي التحضيرية


وبمناسبة الميزات الجديدة في الفيسبوك، ومنها ميزة البث المباشر live قررتُ أن أنفذ بثاً مباشراً في ذكرى المجزرة، ونزلت قبلها لتحضير خريطة هذا البث، وتجولت مع أحد شهود المجزرة.

إذا كنتَ قد قرأتَ، عزيزي، رواية "الطنطورية" لرضوى عاشور، ستعرف ماذا يعني ملجأ أبو ياسر والمجزرة التي حدثت فيه.. لذلك طلبت من الشاهد أن يرشدني للملجأ، فتردد، ثم أخذني إليه وأشار بطريقة خفيّة إليه.. لا يريد أن يثير شكوك القاطنين هناك.. هؤلاء القاطنون هم الذي احتلوا ملجأ ومنزل أبو ياسر أثناء حرب المخيمات (1985-1987).

هكذا إذاً، ملجأ أبو ياسر، ومنزل أبو زهير محمد (الذي فقد كل عائلته في المجزرة، ثم قتلوه عام 1985، وأخذوا بيته) وعشرات المنازل المحيطة التي تنتمي لشارع صبرا، وعمّرها الفلسطينيون قبل الاجتياح الإسرائيلي، جرت مصادرتها في حرب المخيمات.

سألتُ نفسي: هل يعيش أهالي منطقة صبرا وشاتيلا هاجس المجزرة أم لا؟ هل ثمة هواجس أخرى مسيطرة غيرها؟

المفاجأة أن المجزرة شبه غائبة عن أهالي المخيم بالقياس إلى الهمّ اليومي القائم. وهو الهم الذي ستراه وتسمعه لو تجوّلتَ معي في رحلتي التحضيرية. وهو الهمّ الذي سيجعلك تعتقد أن المجزرة مستمرة ولم تتوقف، بدءاً بتجار دماء الشهداء وصولاً إلى العتمة المسيطرة في شوارع المخيم.

تفضل معي لنستكمل سيرنا، سترى أن المخيم منكمش على نفسه، ضيقة زواريبه، ليلها كنهارها بالعتمة المستمرة، مزدحمة بكابلات الكهرباء المتعانقة مع مواسير المياه، عابقة بالروائح الكريهة بسبب مجارير الصرف الصحي.. وستقول فعلاً إن المجزرة مستمرة!

ستجد أهالي المخيم ممنوعين من تملك البيوت في خارج المخيم، فيُضطرون إلى إعمار بيوتهم في داخله والتطاول فيها حتى تنعدم الشمس عن بيوتها وأزقتها. وتجد نسبة تسرّب أولادهم من المدارس تتجاوز 18 في المئة، ونسبة التلوث في المياه لا تطاق، والملوحة فيها تنافس ملوحة مياه البحر المتوسط.. وستتأكد من أن المجزرة مستمرة.

ستجد أهالي المخيم ممنوعين قانونياً من العمل في لبنان، في أكثر من سبعين مهنة، ونسبة البطالة تتجاوز 56 في المئة بين القادرين على العمل، وإذا حضرت صباحاً ستجد المئات من الشباب والرجال الخارجين من المخيم، يحمل كلٌ منهم كيساً أسود فيه زوادة العمل، ويتجهون إلى ورش البناء كعمال مياومين.. لن تشك بأن المجزرة مستمرة.

المجزرة مستمرة لأن أهالي الشهداء وجيرانهم وأقاربهم يعيشون تحت خط الفقر، كحال 66 في المئة من الفلسطينيين في لبنان.


عندما ستشمّ الروائح غير الصحية وتفتقد الشمس في الزواريب، وتصبح نسبة الربو غير منطقية، ولا تجد في المستشفيات مكاناً لحالات الطوارئ، ولا تغطي وكالة الأونروا ما يكفيهم للعلاج، ويحرمون من حق الصحة المجانية.. ويموت الكثيرون منهم لأسباب يمكن تجاوزها.. لن تشك بأن المجزرة مستمرة.


وعندما تزور مقبرة شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا، فتجدها تُجدد مرة في السنة، وتخنقها بسطات الباعة على الرصيف، وبعض بضاعتهم فيديوهات غير أخلاقية.. وتدرك أن احترام الشهداء موسمي، فإن المجزرة مستمرة.

المجزرة مستمرة أيضاً لأن الشهداء لم يُحترموا، ولأن القاتل ما زال طليقاً، ولأن دولة الإرهاب الصهيوني لم تتراجع عن إجرامها، ولأن المحاكمات والدعاوى ضد المجرمين لم تأتِ بنتيجة بعد.

المجزرة مستمرة لأن أهالي الشهداء وجيرانهم وأقاربهم يعيشون تحت خط الفقر، كحال 66 في المئة من الفلسطينيين في لبنان.

المجزرة مستمرة، لأن التضامن الفلوكلوري مع الشهداء أصبحت مصدر ربح لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني التي تُحضر الوفود ليزوروا المقبرة وأهالي الضحايا، ثم ينسحبوا ولا يجد أهالي الضحايا من يساعدهم.

تقول المؤرخة الفلسطينية بيان نويهض في كتابها الموسوعي عن المجزرة، الضحايا تقتل مرتين، مرة حين تموت ومرة حين نعجز عن تحصيل حقّهم.. غير أننا إزاء هذا الواقع متأكدون: إن الضحايا يموتون كل يوم وباستمرار في شاتيلا وغيره.. لأن المجزرة مستمرة طالما النكبة قائمة.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة