رزان الزيود
رزان الزيود
4.1 k

مرهفُ الإحساس

14/11/2016

ماذا أفعلُ يا الله وإحساسي مرهفٌ في الحياة حدَّ اللامعقول، في زمنٍ لا معقولَ فيه، فيه الأماكن غريبةٌ وباردةٌ، وكثيرٌ من العقول مغاراتٌ مقفَلة.. نحتاج الحبَ ولا إنسانيةَ فينا، وكثيرٌ من القلوب كهوفٌ معتِمة. نحتاجُ الحقيقة ولا مصداقيةَ فينا، كلُّ شيء دفينٌ حولَنا، وما زلنا نرغب في الحياة حدَّ الجنون، تلك الحياة التي نتعلّق فيها، نفتنَّ بها، نعشقها ونكره كلّ ما فيها، تلك الحياة التي نُجمّلها في أعيننا لتبدوَ أسهلَ لنا لكي نعيشَها، وما نُجَمّل فيها سوى خيالٍ نصنعه في عقولنا، وفي أيدينا نَجوب الأرض فساداً وحروباً..
 

أيها الإحساس ارفق بي أرجوك، فها هي كلِماتي تُسام مني، وأصبحت مدركةً كفاية أنني أستغلها لأُجمّل وأزخرفَ الحقيقة لتخرجَ بصورة أجملَ، ولا جمالَ في الحقيقة يا صديقي.. مشكلتي في الحياة أني مرهفة الإحساس وأنت مثلي يا صديقي.. رغم كلّ محاولاتنا البائسة للوصول إلى قلوب البشرية، رغم كل أعمالنا وتفانينا بتنْقية قلوبنا ودمجِ الجمال بمحبتنا، رغمَ انتفاضاتِنا لأجل رسالة إنسانية، ورغم تعبِنا واجتهادِنا وخسارةِ أيّامنا، رغم مشقة طريقٍ اخترناه لأنفسِنا، رغم تأريخ الأحداث، والتأرجُحِ المُتعِب بين الأحاسيس، رغم الخوفِ والقلق فينا، نصنعُ ابتسامةَ حبّ، ونلاقي سوءاً كثيرا!
 

لطالما كان الحب فينا إيقاعاً يحمِلُنا بموسيقاه فيطرِبُنا على ألحانِه كأغنيةٍ رومانسية أو مُوشّحٍ أندلسي، لكنه خيال في عقولنا تسقطه الدنيا نوتة نوتة، تفتِّتُه إلى حروف سمفونية، فيسقط الحب فيها

فيبقى فينا شعور راغبٌ في التخلي عن كلّ هذا، وشعورٌ آخرُ راغبٌ في دفن الأحلام وتنفُّس الحقيقة، يبقى فينا شعور يريد الاستغناءَ عن محاولاتِنا البائسة بتجميل العالم بالألوان، فهذا العالمُ لا يمجِّد سوى الأموات، وهذه البشرية زائفة، وأسماؤنا لا تلمعُ إلا بعد رحيلِنا.. وطالما أنت هنا يا صديقي، فلتَتَحمّلْ كُرهَ الناسِ وأحقادَها وقلوبَهم السوداء، ولا تنتظر أن تلين قلوبُهم، فبعضُ القلوب لا تلين، وبعضُ اللين لا ينفع بعدَ حين..
 

أتراكَ ما زلتَ تُجمّلُ الكون يا صديقي؟
نعم ما زلنا، ما زلنا نحاوِلُ أن ندمِجَ الألوانَ بسطور الحب، ونضعَ لمَساتِنا السحرية.. نحن نكتب كذبا يا صديقي فلو كتبنا الحقيقة لمَا قرأها أحد... كل مَن شكا وجعاً يكتب ليكسر ضعفه، ليكسر عبوديته، ليخرج من سكوته ليفند رضاه، لينتقد ذاته، لينتفض على دنياه. لو كان الحب موجوداً لكفى لكننا بلا حب يا صديقي فنكتب للحب أن يكون ليكون لكنه لو كان لما كتبنا لأن الحب يكفي، لكنّنا بلا حُب.. الحب يا صديقي نخترعه في خيالِنا ليبقيَنا على قيد الحياة، نحن نتخيّل الحبّ لكي نعيشَ ولا نملك حبيباً، نخترع الحب يا صديقي، لنشقى أو لنحيا، أو لنبتكِر الجمال، فالحب يكفي، يكفي ليعيد لأرواحِنا بعضَ حرمان، ويكتبَ أسماءنا في قصائد الحب، أو يهيّئ لنا..
 

نحن نخترع الحبّ لنتوه في أحزاننا، فمرهفُ الإحساس، لا يؤمن بالاحتفال، فكلّ احتفال بالنسبة له جريمة ماكرة في حقّ إنسان فقَدَ العزيمة، أو تاه في طريقه إلى محبوبِه وخسِر المعركة، فوق الأرض حروبٌ باسم الحب سقط فيها الملايينُ يا صديقي.. لا تحتفلْ معهم..
 

لا تحزن في دنيا، تُبهرنا، نتعلّقُ بها، يبهرنا جمالُها، ونسأمُ منها، أو تسأم منا فتصبحُ وكأنّها عاجزة عن إرضائنا، ستجذِبُ قلبَك وعقلَكَ، هذه الدُّنيا خدّاعة، فلطالما كان الحب فينا إيقاعاً يحمِلُنا بموسيقاه فيطرِبُنا على ألحانِه كأغنيةٍ رومانسية أو مُوشّحٍ أندلسي، لكنه خيال في عقولنا تسقطه الدنيا نوتة نوتة، تفتِّتُه إلى حروف سمفونية، فيسقط الحب فيها، تسقط كلّ حروف الحب، كأوراق الشجر بخريف فصلٍ يوهم الأحبابَ بجَمال روحِه، وهو في الحقيقة لا يَرفِقُ بها، أآمِنتَ بالحب يا صديقي؟ كيف فعلتَ، يا مرهف الإحساس، أنت مؤمن بالحب في زمن اللاإنسانيةِ..

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة