أوراق سفر

8/11/2016
كلٌ في سفر الحياةِ سالك، وهو من الكلّ واحد، حمل قلماً وكراساً، وكتب ثمانية ورقات، أودعها حقيبته وسار.

1- سفر
في السفر تختلطٌ المشاعر دوما، هناك حيث تحزم أمتعتك بين ما ستأخذ وما ستترك، هناك حيث تودّع أمكنةً احتضنتك، وفيها نثرت همك أو حلمك أو متعتك، هناك حيث تلقي سلام الوداع لأشخاص، لا تدري متى يتجدد اللقاء بهم، هناك حيث توزن أمتعتك، حيث ثقلت أو خفت، هناك حيث ينتظرك، من أوصلك، فأخذت حينها بعض حظ.

إذ لم تكن وحيداً، هناك حيث يقف، لتلتفت إليه كل ثوان، تبتسم بدمع رقراق مهدياً إياه سلام وداع، تلك هي النظرة الأخيرة التي تكررها وتصر على تكرارها حتى يختفي ظلّك، هناك حيث تمرّ من على المرقاب تضع ما تحمل يمرون هم تحت الستار وتلحقهم تحملهم إلى بوابة الانتظار تملي الوقت باتصال أو كتاب أو عبر الواي فاي أو في جوانب السوق الحرة حتى إذا ما جاء المنادي تسأل نفسك: ليتني ودعت بعض القلق، وعشت اللحظة!
 
الغربة تعلمنا أن الثابت المطلق الوحيد الذي لا يتبدل ويبقى معك في حلك وترحالك هو "الله"، عندها تعتاد ألا تعتاد سواه.. فالرسوم تزول والمعاني تبقى

وفي كل لحظة سفر تعش هذي اللحظة تختزل بعضك في البلد الذي تُقلع منه وتختزل بعضك في البلد الذي تهبط إليه وكلاهما مقلع منه ومهبط فيه وفيما بينهما الطائرة، هي تلك الأحلام التي لا نعرف متى نجعلها ترسو.. تلك الحياة قطعةٌ من سفر، والسفر قطعة من عذاب كما حدث.
 

2- وحدة
عليك أن تتقن فنّ الوحدة كي تكون جاهزاً لمّا ينصرف من حولك لأنفسهم ..عليك أن تتقن سياسة اللجوء إلى نفسك حين يتفرق من حولك في شتات حياتهم، حتى أقربهم إليك: زوجك، أمك وأبيك، ومن ظننت أنهم في القرب منك دوما.. عليك أن تعلم أنك لستَ مهماً بذاك القدر عند الآخر إلا بمقدار ما يجد نفسه فيك، أو أنك لستَ مهماً إطلاقاً إلا بما تشكل به حضور الآخرين "رحم الله أبا ذر.. يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده!".


3- شاغر
وتشتهي مائدةً طعمها كلّ أفراد عائلتك، كلٌّ وقد شغر مقعده وصحنه وكوبه فلا مقاعدَ خالية بل تامة، ليتك تعد وخذ مني ذاك الكرسي الذي لطالما تسابقنا عليه وتشاجرنا.. ثق بي.. لن أقفل أدراجي وأمتنع عن الطعام هذه المرة فرؤيتك طعمي. عد ..ولو لمرة وبدل الكرسي عشر لك ولأطفالك نرى فيهم أيامنا ونقول ما أوسع العالم حين يضيقُ بِنَا.. ألا فقرّبنا ولو لمرة نوقف فيها الزمن بصورة نحتفظ فيها بالوجوه الجديدة التي أضافت لنا لقباً في سلم العائلة ومارأيناها ولا ندري إن كنّا سنراها.. ألا فلتعد أيها الغائب في رحم الغربة!
 

4- لحظة
لو كان في ضيافتك ضيف، أكنت ستترك ضيافته تنتظر آخر؟! وهكذا هي كثيرٌ من اللحظات الهاربة التي نعقّها ضيافةً وكرماً، تفكيراً بلحظاتٍ سارحة في طيات الماضي أو انتظاراً لأخرى شاردة في مدارج الحلم والتمني "اللحظة" التي تكرمك ببسمات الأهل والأصدقاء والتفافهم قد لا تعود وتصبح حلماً حين تسدك أربعة جدران صمّاء ونافذة كم من اللحظات ما أحسنّا برّها و لا برّ أهلها.
 

انتظارا لغائبٍ مجهول من رسمات التمني فلا عشنا اللحظة ولا أهلها وأهلكنا ذاتنا في رسمٍ بلا ظلال. أكرم "اللحظة" بقتل انتظارما لم يكن، لتعش ما يكن بخيرما كان. عش "اللحظة".. وابكِ إن شعرتَ بالرغبة في البكاء، واضحك إن زارك الضحك، وتكلم إن أهمّك الكلام، واصمت حين يجلوك ..عش "اللحظة" دون قيد ذاك المنتظر.. أكرم قلبك بما ينبض لك به.. إن أهداك كلمة شكر لأحدهم، أو اعتذار، أو اعتراف وامتنان بمودة.. فبادر وتحدث ولا تنتظر ردّا.. فعلى موائد الانتظار تميت لحظتك. أكرم عقلك، تُكرم قلبك.. وولّ قبلته حيث "هو"، فإذ "هو" يكون فيك ماخِبت أبدا. لحظة: كثرة الأغيار مفسدة !
 

5- في الماوراء!
وأزجّ نفسي رغماً إلى ما وراءٍ أجهله.. بين الغيوم .. سألته لمّا وهبني التذكرة ..أفهمني.. إلى أين؟ وعددتُ أنفاسي فيها هل ستكون اللحظة؟! فأين المعنى؟! الكواليس أعقد دائما مما نتصور.
 

إلهي.. اجعل روحي كالنسمة أنّى حطّت رضيت، وما بشيء علِقت، نسمةٌ بلا هوى، خفيفةٌ لاترى، فكل ما تهواه، "أنت" وكل ما تراه "أنت"، و"أنت" فوق كل الورى.

6- غربة
ولمّا تحمل حقيبتك مغترباً عن بيتك لأول مرة.. تحمل منه شيئاُ اعتدته.. فنجانَ قهوة الصباح.. وكوبَ النسكافيه .. سجادةَ صلاتك .. شيئاً يتكرر في يومك أكثر من مرة، كي تراه فيه كلما نظرت إليه .. فنجاناً تشربُ قهوتك معه.. ومصلاةً تصلي عليها.. لم يتغير شيء إلا المكان.. كلها أشياء اعتدتها ومع كثرة الترحال تخفف.. قليلا.. بل كثيرا.. حتى تعتاد ألا تعتاد حتى تعتاد اللاشيء .. فتصبح غريباً مع فنجانك .. فتصبح غريباً على مصلاتك.. اعتدتَ ألا تعتاد اعتدتَ اللاشيء.
 

قال: كيف وإن أصبحت قهوتك في الغربةِ شاياً، وكوب النسكافيه كبتشينو، وسجادة صلاتك من غير نقشٍ ولا لون؟! ما أصعب من الغربة إلا تغيير ثوابتك والمسلمات في حياتك . قالت: إن كانت الثوابت شكليات بلا روح فلا أريدها، الغربة تعلمنا أن الثابت المطلق الوحيد الذي لا يتبدل ويبقى معك في حلك وترحالك هو "الله"، عندها تعتاد ألا تعتاد سواه.. فالرسوم تزول والمعاني تبقى، الفنجان ليس هو القهوة.. والكوب ليس هو النسكافية.. كما سجادة الصلاة ليست هي الصلاة!
 

7- هنا
وما زلتُ أبحث عنه.. وجدته في مقطوعة موسيقية هزّت روحي.. وجدته في وجوه المارة وقد قسم فيها رزقه.. وجدته في نورس محلّق في السما يلتقط قطعة خبزٍ حرة لم تخطئ طريقه.. وجدته يمنةً ويسرةً .. وجدته فوق وتحت.. وليس فقط في الأعلى.. حيث نيّمم أبصارنا وقتما نلتمس حاجاتنا أو حين ندلي برؤوسنا لنحتجب عنه وقد أسرفنا .. وجدته في قلب كل شيء، حتى في أولئك المسرفين الذين لا يعرفونه، والذين ينكرونه، والروح منه ولو لم يكن فيهم لقطعها، لكن رحمته وسعت كل شيء. ويح قلبي.. كم يلحّ علي بالسؤال: أين هو؟ أين هو؟ أين هو؟ ويراه قريبا.. قريبا.. أقرب من.. وما زلتُ.. أبحث.. كلما ابتعدتُ عنك.. اقتربتُ منك أكثر..


8- نسمة
إلهي.. اجعل روحي كالنسمة أنّى حطّت رضيت، وما بشيء علِقت، نسمةٌ بلا هوى، خفيفةٌ لاترى، فكل ما تهواه، "أنت" وكل ما تراه "أنت"، و"أنت" فوق كل الورى.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة