نورس أبو صالح
نورس أبو صالح
3.4 k

في ضيافة يهود

12/12/2016

كانت هي العتبة التي لم أتردد في تجاوزها لحظة أن دعيت، من أم أبراهام للمكوث في بيتها، عشية عرض فيلم معطف كبير الحجم في بروكلين.

 

وبروكلين يا سادة، حيث بيوت اليهود الفارهة، ونشاط الصهيونية المتوهّج، ومخزن جنود الدفاع عن أرض "إسرائيل". أشار لي مناصرو القضية إلى البناء المقابل لقاعة العرض، وكان الـ Hillel، مبنى النشاط الطلابي، محروساً على غير عادة الأبنية الأخرى، ففيه منطلق النشاط الطلابي الصهيوني. 

 

وقفت تسألني بشغف، عن تفاصيل الفيلم، تلك الستينية، وإلى جانبها مجموعة من حركة "الصوت اليهودي للسلام"، ثم بعدما انتهينا من النقاش، قالت لي: حدثني أبراهام عن فيلمك كثيرا، والآن أنا متفاجئة من الرسالة فيه، وأتشرف لاستضافتك طوال أيّام وجودك في نيويورك، بيتنا هو بيتك.

 

استوقفتني هذه الجملة الأخيرة كثيرا، هل فعلاً قصدت أن بيت من يسعون لجعل وطني وطناً قومياً لليهود، هو فعلياً بيتي، أم أنه مجرد تعبيرٌ صادق خانته الظروف.

 

وضبوا لي الأريكة التي تتحول لسرير، أعطوني منشفتي، وفتحوا ثلاجتهم، وقالوا لي هنا الماء وباقي الأطعمة، ونحن نباتيون، فلا داعي أن تجزع من موضوع اللحم الحلال، ثم إن الطعام اليهودي "كوشير" أي حلال لك لتأكله، في الصباح تَجهّزْ لفطورٍ دَعينا عليه نشطاء من حركة "الصوت اليهودي للسلام" والكثير من الأسئلة حول فيلم معطف كبير الحجم. عندما ألقيت نفسي على السرير، مازحني أبراهام، بقوله إنه لا يعرف اتجاه مكة، فأشرت إلى تطبيق على الموبايل يكشف اتجاه القبلة.

 

حدثوني عن الرحلة التي قاموا بها للأراضي المحتلة في الضفة الغربية ولـ"إسرائيل"، وكيف أنها كانت مليئة بالبروغاندا

كان البيقلز، و هو خبز يهودي من حقبة أوروبا، هو هدفنا للشراء من السوبر ماركت القريب، وأشرت لهم عبر الإنترنت إلى خبز الطابون الفلسطيني، التراثي عندنا، عندما اجتمع الكل على الفطور، بدأت الأسئلة تنهمر، عن تفاصيل الحياة الفلسطينية، وعن طريقة إظهار الفيلم للإسرائيليين، وعدم ذكر كلمة يهودي مرة واحدة فيه، اعترفت بأن الخلط لدينا قائم فيما يتعلق باليهود والصهيونية، ثم استدركت بأن الخلط عندهم قائم بين الإرهاب والمقاومة، سألوني عن الفرق بين المستوطنات والكيبوتسات وهي القرى التعاونية التي تحاول إسرائيل إظهارها في كل تسويق لمشروع الاحتلال، على أنها مجتمع متكافل، فهي أرض الكيبوتسات، ليكتشفوا بعد شرح بسيط أنها مشاريع استيطانية في قالب تجميلي. وناقشتهم في اليهود السامريين الذي لا يعلمون عنهم شيئا، وقد صدموا لما عرفوا أنهم فلسطينيو الجنسية يهوديو الديانة ويسكنون جبل جرزيم في نابلس.

 

حدثوني عن الرحلة التي قاموا بها للأراضي المحتلة في الضفة الغربية ولـ"إسرائيل"، وكيف أنها كانت مليئة بالبروغاندا، وأن هدف تنظيم الرحلة من قبل "إسرائيل" هو تجنيد اليهود ليصبحوا جنوداً في جيش الاحتلال.

 

تناولت الأم هلالاً كانوا قد اشتروه كتذكار من تركيا، وسألتني ماذا كتب عليه، وكان الخط العثماني واضحا "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" وقلت لها ان لُب العقيدة الإسلامية ينبض في بيتكم، فما كان منها إلا أن مسحت عنه الغبار ورفعته في مكان أكثر وضوحا في البيت.

 

وفي اليوم التالي اتصل بي أحد الأصدقاء الفلسطينيين، وعرض علي جولة كريمة في نيو جيرسي، وأخذني إلى محلات الفلسطينيين حيث الطعام الأصيل، ولما تأخرت اتصل بي أبراهام ليطمئن فأخبرته أنني في ضيافة الفلسطينيين، فقال ممازحاً "لا تخططوا لانتفاضة جديدة" فقلت له سوف أحضر معي المخطط، ولما وصلت البيت قدمت لهم الكنافة المصنوعة بعناية في محل نابلسي في نيوجيرسي، وأخبرتهم أن الحلاوة والبقلاوة هي حلويات فلسطينية، لم يكن لإسرائيل يوماً شأن بها.

 

في صباح اليوم الأخير، شكرتهم على استضافتي وشكرت الأم على إعطائي مفاتيح البيت، طوال الأيام الثلاثة، فما كان منها إلا أن أجابت أنت مثل ابني، قلت لها ممازحا، هكذا يمكن أن أصبح جندياً في جيش الاحتلال فهم يشترطون لذلك، أمّاً يهودية فقط. خرجت متمتماً وفي رأسي كل أفكار التطبيع والاستيطان والسلام والحرب وأنا الفلسطيني مولداً وجنسية، "يا للهول لقد كنت في ضيافة يهود". 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة