رزان الزيود
رزان الزيود
3.9 k

حُلوُ الكلام

29/12/2016
هذا العقل في رأسي لا يكفّ عن التفكير، كسرت تمردي وأبديت بعض غضب وانزعاج وقاومت انفعالي، لكني في قرارة نفسي أدرك جيداً أنني لا أعرف كيف أواجه الأمور سوى بكثير من الخجل، وقليل من الكآبة التي أُغرق نفسي بها كلما أردت أن أواجه هذا الكون. فأمسك قلمي، وأهرب من كل ذلك، وأكتب عشرات السطور بقليل من القوة الممزوجة بحلو الكلام.

تقول الكاتبة رضوى عاشور: "الكتابةُ فعلٌ أنانيّ وطارد يفرِض درجةً من العُزلة الداخلية، ينفيك عمّن حولَك أو ينفيهم من حولك ويضعُهم على الرّفّ إلى حين، فعلٌ ينفي الآخرين ليخاطبَهم ويكتبَ حكاياتهم، يقصيهم ليراهم أكثر، يبتعد ليقترب، ويعزِلك ليتيحَ لك تبديدَ وُجودك المفرد وإذابته في وجودهم ومكانهم وزمانهم، عجيب".

هكذا وصفتِ الكاتبة الأعز إلى قلبي "فعل الكتابة"، وأنا أوافقها الرأي، الكاتب غارق في الأحلام، يعيد بناء الأحداث في خياله مراراً وتَكراراً لتُلائم الواقع، لا أشكّ في ذكاء الكاتب الناجح الذي يزخرف الحقيقة لتبدوَ أجمل مما هي عليه، أو أسوأ بكثير، لكنه فاشلٌ في نَواحٍ أخرى كثيرة، الكاتب فاشل في تكوين الصداقات، لكنه ذكيّ في كتابة الحوارات التي يعتقد الآخرون أنهم لو حفظوا كلماتِها لاستطاعوا جذبَ أكثر الناس طلاقةً في الحديث، الكاتب فاشل في تصديق الأمور، والثقة بالأشخاص، رغمَ أنه يكتب أكثر القصص خرافة، وخيالاً، ويستبدلها بواقعه، الكاتب فاشل في إخفاء الحقيقة وتملق الأعذار، الكاتب فاشل في تصفية الحسابات، وإنهاء الخلافات، رغم أنه ينهي قصصَه وبيوتَ أشعاره بسلاسة وانتقائية، الكاتب فاشلٌ في الحب، رغم أنه يغزل من الحروف غزلاً وينسج من الكلام شعراً وطرباً، الكاتب فاشل في تبرير نفسه، لكنه ذكي في إثبات وجهة نظره على الورق، الكاتب فاشل في إظهار مشاعرِه، فيروي بها سطورَ أوراقه.

تقول الكاتبة رضوى عاشور: الكتابة تأتي، تأتي من تلقاء نفسها فلا يتعيّن عليّ سوى أن أقول مرحباً وأفسح لها المكان.."
في الحياة، أشعر بأنني أتعثر بكل المطبات، وأتلعثم كلّ مرة أريد فيها أن أصُفَّ حروفي فأبدو كالبلهاء، أحياناً أخاف أن أنخرط مع البشر فأهرب من الجميع، أهرب لأكمل طريقي بهدوء لأني أهاب التعلّق بالأشياء، كلما انخرطت في الكتابة والكتب يصبح التعامل مع البشر أكثر صعوبة، فالكتب تبعث هدوءاً عجيباً في النفس.

تقول الكاتبة رضوى عاشور: "عادة ما أشعر أنى خفيفة قادرة على أن أطير وأنا مستقرة في مقعدٍ أقرأ رواية ممتعة".

قرأت مرة أنه لكي تصبح كاتباً عليك أن تربِط عقلَك اللاوعي بيدك التي تكتب، أي تصبح يدك آلةً تكتب ما يجول تماماً بخلدك، بلا تفكير واعٍ أنك ستبدأ بالكتابة، أي عليك أن تبعد عقلك عن التفكير "بفعل الكتابة" قضى غاندي عمره يبحث عن الحقيقة، وكل ما كان يجول بخاطره هو كيف يصل إليها، أو يكون أقرب إلى الكمال، ولم يفكر غاندي كيف يجعل عقله محصوراً "بكيفية البحث عن الحقيقة"، بل بحث في نفسه، في البشر، في الأشياء من حوله، فوجد الخير في نفسه ومن حوله، ولو فكر كثيراً لدفعه عقله لِتعالى على الآخرين.

هناك الكثير من الأمور الدينية مسَلم بها ولا يجوز التفكير فيها، لأنها نابعة من إحساسنا، سعى غاندي نحوَ الكمال بعقله اللاواعي، ولو أنه سعى نحو الكمال بعد تفكير مطلق لشعر بالاعتزاز والفخر ثم التكبر، لكنه عرَف قدر نفسه بإحساسه الداخلي أن الكمال لله وحده، إن أردت أن تكون مميزاً فاعمل بأي شيء، بلا تفكير زائد، الشغل ليس عيباً، أيُّ عمل تقوم به يقودك إلى الأفضل، الكثير من التفكير بمنزلتك، ومُرتَّبك، وخوفك من نظرة الناس إليك، سيعيدك إلى الصفر، كل عمل تقوم به سيُعلِّمك شيئاً جميلاً، وقد يقودك إلى الأفضل، فقط حاول ألّا تنصاعَ للتفكير وتبدو كعبدٍ لأفكارك، وعادات قبيلتك.

نحن أحرار، عبيد لله وحده ولسنا عبيداً لعقولنا أو أفكارنا أو أفكار مجتمعاتنا، أحيانا يقدم الله لنا الكثير من الهبات فنبدأ بالتفكير، حينها فقط تصبح الهبة بلا معنى، فتذهب بلا عودة، إن جاءك العمل فلا تتردد فهناك الكثيرون في منازلهم يتمنون فرصتك، فاغتنمها، إن طرق بابَك الحب، اذهب وتقدم للزواج، وتجاوز عن تلك الأفكار التي تجعلك عبداً لعقلٍ لا يُسمن ولا يغني من جوع، إن جاءتك الصداقة فكن وفياً، إن جاءك الإلهام، فاصنع وابنِ، وأنشئ، أو أمسك قلماً واكتب سطوراً كثيرة كثيرة بالعقل اللاواعي، وأبدع.

فكما قالت الكاتبة رضوى عاشور: الكتابة تأتي، تأتي من تلقاء نفسها فلا يتعيّن عليّ سوى أن أقول مرحباً وأفسح لها المكان.."

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة