أماني سنوار
أماني سنوار
772

لماذا يزهد الفلسطينيون بالمجتمع الدولي؟

14/8/2016
شهدت أوروبا في العام الأخير الكثير من الأحداث اللافتة التي مست القضية الفلسطينية إما لصالح التضامن مع الفلسطينيين أو عبر توجيه انتقادات لاذعة لإسرائيل على الرغم من أن بوصلة العالم كانت تتجه نحو مناطق أخرى أكثر سخونة في الشرق الأوسط.
 

ويمكننا اعتبار أن أوروبا افتتحت موسم هذه الأحداث في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حين قررت 28 دولة أوروبية أن تميز بضائع المستوطنات عن غيرها من البضائع الإسرائيلية عبر وسمها في الأسواق بملصقات تشير إلى أنها مصنعة في أرض محتلة، في خطوة ينظر إليها على أنها رسالة احتجاج على سياسة الاستيطان.
 

تبع هذه الخطوة تصريحات أثارت الجدل لوزيرة الخارجية السويدية مارغوت وولستروم حين قالت إن "الفلسطينيين يرون أن لا مستقبل لهم، وهم مضطرون إما للاستسلام لليأس أو الذهاب للعنف"، فيما أثار رئيس حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين زوبعة أخرى عبر مقارنته بين إسرائيل وداعش، وكذلك السياسي البريطاني المخضرم كين ليفينغستون الذي لمح إلى تعاون تاريخي بين الصهيونية والنازية.
 

قطع هذا المسار شوطا مهما، إذ ساهم بالدرجة الأولى في عزل إسرائيل ووسمها في أذهان العديد من شعوب العالم كعلامة سيئة الصيت

في بريطانيا أيضا حققت السلطات لساعات مع ضابط في الجيش الاسرائيلي بناء على دعوى مرفوعة ضده لمشاركته في العدوان على غزة عام 2014، وبعد أشهر قليلة أصدرت الشرطة استدعاء بحق وزيرة الخارجية الإسرائيلية سابقا تسيبي ليفني بناء على دعوى شبيهة، لكنها نجت من التحقيق عبر منحها حصانة استثنائية أثارت احتجاج جمعيات قانونية في البلاد.
 

وعلى صعيد الأمم المتحدة، رفضت منظمة التربية والعلم والثقافة (يونسكو) طلبا إسرائيليا لإطلاق اسم "جبل الهيكل" على المسجد الأقصى، في قرار نص على أن المكان لا علاقة له باليهود.
 

هذه الأحداث وغيرها العشرات تناقلتها وسائل الإعلام العربية في ذيل نشراتها، وربما أصاب بعضنا الملل أثناء مطالعتها، إذ تبدو في الواقع خطوات متواضعة ولا ترقى لما تستحقه إسرائيل من معاملة في ظل انتهاكاتها الصارخة، لكنها تبقى خطوات فارقة ومبعثرة، لأنها تفقد مع الزمن قيمتها السياسية التراكمية حين لا تجد تبنيا حقيقيا واستثمارا من قبل الجانب الفلسطيني.
 

ولعل أبرز الإشكالات التي تعرقل استفادة قضايانا العادلة من فرص الإسناد والدعم المتاحة في الغرب ومؤسساته المختلفة هو التصورات المشوشة حول ما نريده من هذه الجهات، وما تستطيع هي منحنا إياه.
 

وإن تحدثنا عن أوروبا بوصفها الأقرب جغرافيا والأوفر من حيث فرص العدالة نجد أننا لو حددنا سقف أهدافنا بأن تمارس أوروبا مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية لإسرائيل، وتقاضي قيادات الاحتلال الرفيعة بتهم ارتكاب جرائم حرب فإننا نكون قد رسمنا سقفا غير موجود سوى في خيال المظلوم التائق للعدالة.
 

ولكونه هدفا وهميا لن يتحقق فإنه سيقودنا إلى خلاصة غير موضوعية تقول إن أوروبا ومجمل الحراك الدولي لا يرتجى منهما شيء، ولعل هذا تماما ما نمارسه في نظرتنا للقانون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة التي نراها لا تفعل شيئا ملموسا أمام إفلات إسرائيل من العقاب.
 

لكن الأجدر هنا أن يتم تقييم ما نريده من أوروبا والعالم بالنظر إلى معطيات الواقع، وعلى قاعدة "ما لا يدرك كله لا يترك جله"، بحيث يتم رسم أهداف بسيطة يمكن إدراكها، وتستطيع القوى الحية في العالم إسناد الفلسطينيين لتحقيقها، كمقاطعة منتجات المستوطنات، وإصدار مذكرات توقيف هنا وهناك بحق قادة الاحتلال، ودحض رواية "إسرائيل" للتاريخ والحدث الآني بعد أن كانت الرواية الوحيدة وغير القابلة للمس، بحيث نقفز من هذه المنجزات الصغيرة جدا التي تحققت خلال السنوات الماضية إلى حيز رفع السقف والمطالبة بالمزيد.
 

وقد قطع هذا المسار شوطا مهما، إذ ساهم بالدرجة الأولى في عزل إسرائيل ووسمها في أذهان العديد من شعوب العالم كعلامة (ماركة) سيئة الصيت، بصورة تدحض كذبة "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". وقد كشف استطلاع للرأي أجرته المفوضية الأوروبية عام 2003 في 15 دولة أوروبية أن مواطني هذه الدول يرون إسرائيل التهديد الأول للسلام العالمي، وبعد عشرة أعوام ما زالت إسرائيل -التي تنفق مليارات الدولارات على تحسين صورتها في العالم- تتنافس مع كوريا الشمالية على المركز الرابع في مؤشر الدول "سيئة السمعة" وفق استطلاع "بي بي سي".
 

جميع أشكال الحراك الدولي ليست سوى وسائل إسناد ودعم للمعركة الحقيقية التي تدور في الداخل الفلسطيني، ولا يمكن أن تكون بديلا عنها

عزل إسرائيل وترويجها كدولة سيئة الصيت ما هما إلا نتيجة غير مباشرة لجملة التحركات الدولية والإدانات وتصريحات النخب السياسية، ولا سيما في أوروبا، وهما أيضا مكتسب لا يجدر الاستهانة به، إذ كانا الخطوة الأولى التي مهدت لإسقاط النظام العنصري في أفريقيا أوائل التسعينيات.
 

التدرج في وضع أهداف مرحلية متواضعة، ثم تثبيتها كمكتسبات للقضية الفلسطينية، والانطلاق منها نحو ما هو أعلى سقفا يشكل إستراتيجية مهمة في الدور الذي يُرجى من أوروبا والعالم، وهو تكتيك من المهم أن يكون حاضرا في خطاب المجاميع التي تنشط دوليا لصالح فلسطين، سواء أكانت شخصيات عامة أو مؤسسات مجتمع مدني وحقوق إنسان حتى لا تقع هذه المجاميع في فخ بيع الأوهام للناس بينما هي تسعى لتسويق رؤيتها وأنشطتها.
 

ختاما من المهم الإشارة إلى أن التركيز على أهمية البعد الدولي والقانوني في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لا ينفي أن جميع أشكال الحراك الدولي ليست سوى وسائل إسناد ودعم للمعركة الحقيقية التي تدور في الداخل الفلسطيني، ولا يمكن أن تكون بديلا عنها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة