الخليج التائه

25/8/2016

في ساعة متأخرة من ليالي الشتاء الروسي القارس قبل ما يزيد على مئة عام تقريبًا، استوقف شرطي روسي شابًا مريبًا يتجول في العاصمة بطرسبرغ، حين صاح به الشرطي "ماذا تفعل بتجولك في هذه الساعة المتأخرة؟!!" رفع الشاب رأسه وقال في نشوة، "أتعرفُ على الأم روسيا!". كان هذا الشاب الثمل الأديب الروسي الكبير مكسم غوركي الذي قضى خمس سنوات من عمره يطوف أمَّه روسيا ليتعرف على هذا الوطن الذي سبب له الكثير من المتاعب والكثير من الألم وخلق في روحه ذلك الانتماء العميق الذي يجده القارئ في أعماله..

ارتباط المرء بوطنه له علاقة وطيدة بمعرفة أرضها، ولذلك كانت أكثر الشعوب انتماء لأوطانها هي الشعوب الزراعية
إن ارتباط المرء بوطنه له علاقة وطيدة بمعرفة أرضها، ولذلك كانت أكثر الشعوب انتماء لأوطانها هي الشعوب الزراعية، حيث يقضون عمرهم في التعاطي مع هذه الأرض ومعالجة تربتها والعيش مما تدسّه أيديهم فيها فتخرجه لهم ثمرًا، وقل مثل هذا المعنى التفاعلي مع الأرض في المهن الأخرى التي لها مع الأرض تعاط وممارسة.


هذا التعلق الحميمي بالأرض يكاد يغيب في دول الخليج العربي، فطبيعة الترف غيرت كثيرًا في ارتباط الخليجي بأرضه، فلا هو الذي يزرعها ولا هو الذي يبنيها ولا هو الذي يسيح فيها ويرى فيها نزهته ويهتم بآثارها وتاريخها.

صار ارتباط الأعمال الضرورية التي تكرّس قيمة الأرض وأهميتها لجماعات وظيفية تفد إليها من الخارج، وغالبًا ما تفشل دول الخليج في الاستيعاب التام لهذه الجماعات بشكل فعّال ومثمر.

هذا الولاء الرقيق للأرض يُستبدل بولاء ظاهري للكيانات السياسية الموجودة التي تجعل من الرفاه قيمة هذا الولاء والانتماء وهذه حالة فريدة ونموذج فريد في خلق الهوية السياسية لشعوب الخليج، بحيث يكون الرفاه مقابل الولاء. فكيف يكون الحال غدًا حين يجف جيب المعطي ويجوع المُعطى؟

يصل الإهمال للجانب التاريخي والحضاري لهذه القطعة الجغرافية مداه، فرغم التطور العمراني والتحضر الإسمنتي، لا شيء يدل على هوية متميزة مستلهمة من العمق التاريخي والحضاري لهذه المنطقة، في زيارتك لمدنها وعواصمها لا تستطيع تمييزها عن أي مدينة وظيفية أخرى في العالم؛ فالمدن الخراسانية كلها تتشابه، من الصين وحتى كاليفورنيا.

أصبحت خارطة العالم العربي وكأنها مصابة بالجدري، فالنقاط الحمراء للحرب وحركات التحرر تملأ الخريطة وبقي الخليج في استكانته و النار تحيط به

لمن انتماء هذه الشعوب؟ ما مصيرها في حالة الغزو؟ كيف سيكون مستقبلها حين تمتد إليها يد المستعمر؟

إن تجارب الخليج مع الحروب والعدوان مذلة للغاية، حيث تم التعامل معها بنفس العقلية الاستهلاكية، فكما استوردوا زيت الزيتون الإسباني والجبن الفرنسي والشوكلاته السويسرية، استوردوا جنودا وعسكرا وسلاحا أمريكيا، وأنشأوا له القواعدَ.

أصبحت خارطة العالم العربي وكأنها مصابة بالجدري، فالنقاط الحمراء للحرب وحركات التحرر تملأ الخريطة وبقي الخليج في استكانته والنار تحيط به..

بين استبداد داخلي وعدو فارسي ومستعمر غربي ناهب وانتماء غائب؛ يرقد الخليج التائه.. ويحلم بمستقبل مجهول.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة