مي ملكاوي
مي ملكاوي
7.2 k

عندما هجرت فيسبوك.. جزئيا!

11/8/2016
قللت مؤخرا من التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي في كل الأحداث، التفاعل بمعنى التعليق والكتابة عن وعلى كل حدث إلا أحيانا، ولم أعد أظهر موقفي من كل شيء.. واكتفيت غالبا بقراءة الأخبار ومتابعة ما يجري وما يتبع ما يجري وما يتم تفسيره عما جرى ثم متابعة الغوص في تحليل ما جرى.. تلك التحليلات التي تذهب بنا إلى قيعان بحار المحيطات البعيدة لنعود ونحن مبللون لكن من دون أن نكتشف الحقيقة.

 

ببساطة لم أعد أكتب "بوستا" أو "منشورا" على كل حدث، بل أكتفي بـ"لايك" أو "إعجاب" خفيف الظل لمن كتب رأيا منطقيا واضحا بكلمات مبسطة وعميقة بذات الوقت، فهو قال ما كنت ربما سأقوله ولكن بأسلوب آخر وكلمات مختلفة.

أنا لم أعد أطيق التكرار، الرأي نفسه والتحليلات ذاتها التي كانت تتلاحق في دماغي مع متابعتي للأحداث، والرأي واحد باختلاف الكلمات والمسميات التي قالت وشجبت وحللت واستنكرت واعتقدت واختلفت واتفقت، فلماذا علي أن أفتي على كل شاردة وواردة طالما أفتى غيري فيه وأسهب؟
 

مشكلتنا أننا نتابع فقط من يشترك معنا في الأفكار ومن يطبطب على رؤوسنا مؤكدا أن ما نفكر فيه صحيح

وعلى الجهة الأخرى أتابع من اختلف رأيهم عن رأيي "ورأي من اتفقت معهم" فأقرأ ما كتبوه، فإن لم يعجبني مررت مرور الكرام فلن يتغير رأيهم بتعليق معارض أو "غير مناسب" بل سيتمسكون به عنادا وحفظا للكرامة بطبيعة الحال، وإن أعجبني ما كتبوه على اختلافه معي فكرت مليا في وجهة نظرهم فلربما كان جزءا من تنظيرهم صحيح ومنطقي، ولربما كنا -نحن المتفقون على الاختلاف معهم- على خطأ مثلا! وقد أكبس زر "اللايك" بهدوء وثقة.
 

أدرك أن انتشار الوعي بالأحداث واتساع رقعة حرية التعبير على مواقع التواصل حالة صحية أصبحت محببة تسرّي عنا وتخفف من وطأة ما نحياه من تسارع الأحداث التاريخية ونحن نخوض تمخضات ومصائب لا أول لها من آخر في شرقنا الأوسط، لكن هذه الحالة قد يعتبرها خبراء تحليل الشخصيات مَرضية ومتعبة خاصة أننا صرنا نواظب على متابعة الأحداث بهدف الإدلاء بدلونا فيها، والود ودنا لو أصبحت آراؤنا جميعا واحدة وأن تقول لنا كل البشرية "كم أنتم على حق"، وهذا ما لم ولن يحصل أبدا إلا في أحلامنا ربما.
 

مشكلتنا أننا نتابع فقط من يشترك معنا في الأفكار ومن يطبطب على رؤوسنا مؤكدا أن ما نفكر فيه صحيح لا تشوبه شائبة ولا يحود عن الحق قيد أنملة تماما كما درسنا في نظريات الإعلام، وقد بدا ذلك جليا واضحا وضوح الشمس في كبد السماء في الانقلاب الفاشل في تركيا وما تلته من ردود فعل ومنشورات فيسبوكية وتويترية، وأنا أتحدث هنا عن المجتمع العربي وتفاعله مع الحدث التاريخي، فقد وصل بنا التفاعل بتوحش ضد آراء بعضنا البعض حدا مقززا.
 

فصار كل شخصين يلمزان بعضهما البعض ضد تفكيرهما المختلف، ووصل التوحش في الرد والرد على الرد إلى كتاب معروفين وذوي أسماء محترمة، بعضها إسلامي وبعضها ليبرالي وبعضها علماني وبعضها غير واضح التوجه، لم يسلم أحد من "الملاسنات" ولو كانت بشكل عام، وشارك العديد من الناس في التعليقات و"الرد" و"الرد على"، وكل ما كان يهمنا أن ندحض رأي الآخر قدر الإمكان، فأينا أفضل؟ وأينا على الحق؟ لم يعد أحد يهتم أصلا.
 

بالله عليك راجع منشورك ألف مرة وغيّر وبدّل قبل أن تكبس زر النشر

متابعة الأخبار لم تعد هي المهمة بالنسبة لنا بل ما يتبعها من تفاعلات، والأحداث التي تتوالى وفيها من الصدمات والأهوال ما لم تعد النفس تحتملها ولا العقل يستسيغها صارت مناسبات لنحارب بعضنا البعض ونقيم أفكار بعضنا البعض، ورغم أنني أدرك أن هذا الفعل من شيم بني آدم وتكونيته وقد قال تعالى "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" سورة هود، الآية 118، لكن الاختلاف في عصر السرعة والإنترنت صار مخيفا ومؤلما.
 

أصبحنا اليوم نعيش ما يشبه الغابة التي فيها حيوانات تكاد تفترس بعضها البعض على جدران فيسبوك وتويتر، وهمنا الأول "لايكات" نحصدها و"إعادة نشر" ندعو الله بها، وعدد متابعات نصبو إليه، ولا أعمم بالتأكيد، فهناك شخصيات تستحق بالفعل المتابعة وننتظر رأيها المعتدل المنطقي، وهي تحاول النظر الى الأحداث نظرة ناضجة بعيدة عن العاطفة والانجذاب تجاه قطب معين، وأولئك لهم كل الاحترام وكل "اللايكات" بالتأكيد.
 

أنا لا أقول إنني هجرت فيسبوك ومواقع التواصل، ولا أستطيع أن أفعل ذلك في الوقت الحاضر لإدراكي أهميتها في حياتنا الاجتماعية وربما السياسية والاقتصادية وحتى المهنية، لكنني قللت من مشاركاتي لأنني أيقنت أن لكل "بوست" وقته وقيمته، فإن لم يكن نشرك ذا قيمة وتأثير واضح فلا تنشر، ولا تتسرع بإطلاق الكلام على عواهنه.. وبالله عليك راجع منشورك ألف مرة وغيّر وبدّل قبل أن تكبس زر النشر، فلعل شخصا ما لا له ولا عليه في مكان ما وزاوية ما يحمل هاتفا ما ينظر نظرة أكثر اتساعا إلى هذا العالم من خلال كلماتك أنت فتغير تفكيره للأفضل في عالم صار أسوأ.. ربما.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة