سومر العبيد
سومر العبيد
540

عيدُ الغربة.. أم غربةُ العيد؟

21/9/2016
بعدما انتهيتُ، كنتُ أتساءَل لماذا أعودُ لأكتب عن العيد؟ لكنّني ودونَ إطالةِ تفكيرٍ، أُدركُ أنّني أَحجمتُ عن الكتابة عنه وقتَها حتّى أمنحهُ فرصةً، أو أمنحَ ظروفَ العيد فرصةً، لأن العيد لا ذنبَ له، لذا لا أريد أنْ أظلِمه. ولا أدري أَبرّرْتُ ذلك لنفسي، أم أنّه حقًّا كان السبب!

أظنُّ بأنّني إذا لم أكنْ مخطئًا، تجاوزتُ مرحلة الطفولة. لكنّني لا أدري هل أحزنُ أم أفرحُ لهذا؟ أم أقفُ بينَ الشعورَيْن؟ لا يهمّ. ما يهمّ هو حقّي في أن أشهدَ على أعيادي التي عشتُها طفلًا، والختمِ عليها بالشمع الأحمر، أو الأخضر ربما، لأن الأحمر صار مألوفًا لا يُهابُ. وذاكَ أنَّ العيدَ - كما يقولون - روحُه الأطفال، ورمزُه. والسعادةُ التي يبثُّها إنّما هي منهم، وفيهم، ولهم.

أستغربُ -بل وأغبطُ- الذين يتحدثون عن العيد هذه الأيام بأنّه غريبٌ، أو كئيب. لكنّني لا أغبطُهم على معرفَتِهم لذلك
ربما الشيءُ الوحيد الذي أفعلُه، أنّني كنتُ أسهرُ ليلةَ العيد، حتّى لا تفوتَني الصلاة، لأنّها المظهرُ الوحيد، الذي يوحي لي بأنّ هذا اليوم ليسَ كأيّام الحياة العاديّة. وطبعًا حتّى لا أتساءَل لاحقًا: لماذا يُرسل لي فلان (كل عامٍ وأنت بخير) متبوعةً بباقة ورود، لا رائحةَ لها، ولا طَعْم. وحتّى لا يفقدَ عالمي الصغير، إحساسَه بالزمن. فيضْطَرِب.

لا أذكر أنّني لعبتُ بمسدّسات خرزٍ من قبل. ولا قبّلتُ أيادي جدَّايَ وجدَّتاي. ولا ركبتُ عربة خيل. ولا أكلتُ حلوى تختصُّ بها هذه المدينة. ولا زرتُ أقارِبًا. ولا صنَعْنا من قبل مائدةَ عشاءٍ عائليّةً تضمُّ ذوي القربى، ولا حتّى ذوي البُعدى، نسمعُ فيها أمَّ كلثوم وهي تغنّي: "يا ليلة العيد آنستينا". كلّ ما أفعله، يقتصرُ على حاجتي لمعرفة أنَّ الزمنَ ما زال يجري في هذا العالَم، فأطبعُ العيد بطابعٍ يختلف عن بقيّة الأيام، حتّى أُميّزه. ربما بالكعك. أو بعض النقود، التي لا أفعلُ بها شيئًا.

أستغربُ -بل وأغبطُ- الذين يتحدثون عن العيد هذه الأيام بأنّه غريبٌ، أو كئيب. لكنّني لا أغبطُهم على معرفَتِهم لذلك، أو كتابَتِهم له، فهذا ما أفعلُه أصلًا. لكنّني أغبطُهم على قدرتهم على المقارنةِ مع وقتٍ خلا، مع أعيادٍ جميلة ربما، عاشوها. وبقيَتْ في الذاكرة، لتشهدَ على جريمةِ الزمن : قتْلِ العيد.

الذي دفعني إلى الكتابة عن العيد، ليس نقصُ العيدِ بذاته - فهو ناقصٌ كذلك فيما سلَف - بل الوعيَ بهذا النّقص. في مساءِ العيد، خرجتُ برفقة أخي لنجْلبَ غرضًا. كنتُ أحدّقُ عاليًا، في السّماء، والسيّارةُ تسير. نظرتُ إليه. سألتُه: هل انقطعت الكهرباء عن هذه المدينة! قال لي: لا تُبالغ، هذا كلامُ شعراء. لمْ أكُن أبالغ. كانتْ قاتمةً رماديّة. عدتُ نحوَ النافذة، قلتُ دونَ أنْ يسمع: أنا لستُ شاعرًا، لستُ شُوَيْعرًا حتّى. وبدأتُ أستذكرُ.

لمْ أكُن أعلم - ولنْ أعلمَ أبدًا - هل كان هذا عيدَ الغُربة، في كلّ غُربة؟ أمْ أنَّ هذا العيد هو الغريبُ بذاتِه، في زمنٍ يُكون التبسُّمُ فيه جريمةً ضدَّ الإنسانيّة
صباحَ العيد، أخبرتُ أهلي أنّني ذاهبٌ وحدي للصلاة، لنْ أراقفهم. كنتُ أريدُ أنْ أسير. لمْ أكُن أعلمُ، أنّ هذا سيكون كفيلًا بقتْلي بعضَ الشيء لاحقًا. وصلتُ باكِرًا، ودخلتُ. أدركتُ مكانًا قربَ الإمام، بعيدًا عن الباب، كنتُ فرِحًا بذلك، لكنّني فيما بعد سألعنُ الأبواب كلّها، وبُعْدَها عن قلوب كلّ الحجرات. صلّينا. انتهت الخطبة. وقفتُ، ووقفَ النّاس. رحتُ أمشي صوبَ الباب. كنتُ حصاةً تعكِّرُ صفْوَ الماء. كان جُلُّ هدفي، أن أصلَ الباب، كانَ دعائي الذي ألهثُ به وقتَها. كنتُ بمفردي. أنا الوحيدُ الذي يمشي منفردًا غيرَ باسطٍ أساريرَه. الجميعُ يعانقُ الجميع، يقبّلون أكتافَ بعضهم ووجْناتهم، ويباركون لبعضِهم بالعيد. شعرتُ بي ثابتًا، وهذا العالمُ يتحرَّك. كان الطَّريقُ نحوَ الباب دهْرًا بكامله. توقَّفَ الزمن، كان أشبه بلحظةٍ سينمائية. عندما وصلتُ الباب، انتحيتُ جانبًا. كدتُ أبكي. بعدها، سأحرصُ على المكوث بجانِبِ كلِّ باب، أعدُ نفسي بذلك. لن أقطع في حياتي مسافةً طويلةً كهذه.

لا أدري ما جرى لي وقتَها. لديَّ أهلٌ، وأحبابٌ، وأصحابٌ، والكثيرُ من المعارف، وعلاقاتٍ طيّبة مع النّاس. لكنَّ شيئًا ما فيَّ حينَها كان قد خَوى.

لمْ أكُن أعلم - ولنْ أعلمَ أبدًا - هل كان هذا عيدَ الغُربة، في كلّ غُربة؟ أمْ أنَّ هذا العيد هو الغريبُ بذاتِه، في زمنٍ يُكون التبسُّمُ فيه جريمةً ضدَّ الإنسانيّة. ويؤنبك ضميرُك الحيّ فيه - أو حتّى المريض منه، وربما الميت - على سعادتِك، في حينِ أنَّ الناس تغرقُ بدمائها؟ حاولتُ ترجيحَ أحدِهما، لم أنجَح. ثمَّ أدركتُ أنَّ الألم، حاجةٌ بشريّة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة