حسين يونس
حسين يونس
4 k

هل يجوز ضرب الأطفال في كندا؟

22/9/2016
لاشك أن ضرب الطفل وتنشئته بطريقة تؤدي به للفهم والانصياع عن طريق العنف، طريقة سيئة وفاشلة بكل ما تحمل كلمة الفشل من معنى.

وضرب الطفل بالطريقة المتعارف عليها في الشرق غالبا ما تؤدي إلى تأخُّر تنمية مهاراته الشخصية والذهنية. فهل ضرب الطفل في مواقف معينة ضمن منهجية تربوية يُساعد في تهذيبه ورفع حس الانضباط لديه؟

قد تختلف الإجابة عليه من ثقافة إلى أخرى، لكن لا يخفى على الجميع أنَ جُل المهاجرين العرب الذين يأتون إلى كندا يعلمون مُسبقاً أنَّ ضرب الأطفال فيها ممنوع، وكلما فركت أم أذن طفلها في مكان عام .. أخذت تتلفت يمنة ويسرة خشية أن يراها أحد الكنديين الأقحاح الذي سيُبلِّغ عنها الشرطة!

عندما هاجرت إلى كندا، كانت هذه أول القضايا التي بحثت فيها لأتفاجأ بعدها أنَّ الحقيقة خلاف ذلك تماماً، وقمت منذ أيام من خلال صفحتي على الفيسبوك بمشاركة فيديو بعنوان "إنه للطفل انضباط وتأديب .. وليس اعتداء وتعذيب!"، بعدها انهالت الأسئلة حول حقيقة هذا الفيديو الدعائي.
جُل المهاجرين العرب الذين يأتون إلى كندا يعلمون مُسبقاً أنَّ ضرب الأطفال فيها ممنوع


بموجب القانون الجنائي المعمول به اليوم، الضرب التأديبي مسموح به في كندا: تنص المادة ٤٣ - تصحيح الطفل بالقوة: المُعلِّم أو الوالِدَين أو أي شخص ينوب عن الوالِدَين في الرعاية، له ما يُبرِّره في استخدام القوة لتصحيح التلميذ أو الطفل الذي تحت رعايته كما يكون الحال، بحيث لا تتجاوز القوة حد المعقول في ظل الظرف أو الموقف.

وعندما قمت بنشر هذه المعلومة، انقسمت آراء المتابعين بين مُرحِّب ومُعارض، فهناك مَن وجد الضرب وسيلة من الوسائل التي تُعين على التربية خصوصا في الغرب وما يحمل في طيَّاته من تحديات كبيرة جداً في مجال التربية، وهناك من شجب وأعرب عن امتعاضه إزَّاء هذا القانون الذي يجهله الغالبية، فعلى ما يبدو أنَّ الصنف الثاني لم يتوقعوا أن يكون لدى كندا المُتحضِّرة في تشريعاتها مثل هذا القانون .. فأصابهم الإحباط (حتى أنت يا بروتوس!).

في اعتقادي أنَ الذين اعترضوا على الضرب إما أنَّ لديهم ماضٍ مرير معه، أو أنهم ليس لديهم أطفال، أو غير مقيمين في كندا أو دولة غربية، أو أن أطفالهم مازالوا صغارا جدا. وطبعا لم يخل المشهد أيضا من أولئك الذين لا يتوانون عن إهانة أنفسهم وذاتهم العربية ولصق كل رذيلة بها، فجعلوا الضرب من شيم التخلف التي نقلها العرب إلى كندا بشكل قانوني!

لكن أطرف المداخلات كانت تلك التي ألقت باللوم عليَ لأني قمت بتوعية الجالية بذلك القانون .. فحسب اعتقادهم  سيكون ذلك بداية شرارة عنف الأهل الذين تخرجوا من جامعة قريش ليفتكوا بأطفالهم، وذكروني بالثقافة البائدة التي تفترض سوء نية الأنثى وتوقع فجورها بمجرد نيلها لحريتها، فمنعوا عنها ما هو حلال خشية أن تُصيبها الفتنة وتُهلك نفسها بالحرام .. قمة الاستخفاف بالعقول خارج نطاق ما هو معقول!

من الأهمية بمكان أن يتم فهم معنى الضرب في كندا بالمفهوم الغربي .. وليس العربي!


بناء على ما تقدَم، أحببت أن أكتب هذا المقال لأبيِّن لكم ما غاب عنكم في تفاصيل المشهد الكندي:
1- بما أن هذا القانون "المتخلف" و"البربري" موجود بالفعل في القانون الكندي، فهذا يعني أنه ليس جديدا عليهم ولا على مجتمعات العالم الأول، وأنه موجود منذ الأزل والعرب بريؤون منه كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام.


2- في كندا يتم إخضاع القوانين لنقاشات طويلة ومُضنية قبل أن يتم اعتمادها رسميا، والأهم أنها تكون مُعتمدة على دراسات وأبحاث علمية قبل أن تُصبح تشريعاً قابلا للتطبيق، وبما أنَّ القانون أجاز ضرب الطفل، فهذا يعني أنه وسيلة من وسائل التربية التي دعمها الباحثون، وأنا شخصياً أثق في النظام الكندي.


3- الذين تعوَّدوا على ضرب أطفالهم في كندا .. لن ينتظروا «حسين يونس» ليخبرهم بجواز ذلك! فهم يمارسونه بالفعل .. ولكن في الخفاء وبشكل لا يُخالف القانون العام .. تماماً كما تقومون به الآن .

أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يتم فهم معنى الضرب في كندا بالمفهوم الغربي.. وليس العربي! فالضرب عندهم لا يتجاوز مناطق المؤخرة أو اليدين أو قرص الأذن وبشكل غير مُبرِّح بهدف التربية، دون اللجوء إلى أدوات حادة كما جرت العادة عند بعض الثقافات الشرقية، فالضرب في المفهوم الغربي لا يتعدى أن يكون وسيلة للسيطرة على الطفل، ودائما ما يأتي كآخر الحلول وليس في أولها.

من دون مثاليات ومجاملات كاذبة، أود أن أسأل أولئك الذين لا يلجؤون للضرب على الإطلاق في التربية كما يدَّعون، هل أنتم فعلاً راضون عن تربية أولادكم؟ هل أنتم راضون عن أخلاقهم؟ هل لديكم السيطرة اللازمة عليهم إذا لزم الأمر؟ كم مرة وضعوكم في مواقف لا تُحسدون عليها لأنكم فاقدي السيطرة عليهم؟

في كندا ستحتاج للسيطرة على طفلك، فإن استطعت ذلك من دون اللجوء إلى الضرب .. فهذا خير وبركة وهنيئا لك، ولكن إن اضطررت إلى ذلك .. فالقانون في صفِك ولا تَلُم كندا إن خسرت أطفالك أو احترامهم، فهي سمحت لك بالسيطرة عليهم، وكلٌ أدرى بوضعه وحاله.

في كندا ستحتاج للسيطرة على طفلك، فإن استطعت ذلك من دون اللجوء إلى الضرب .. فهذا خير وبركة


عندما قمت بذكر القانون، كان الهدف توعية الجالية بحقوقهم في كندا كآباء وأمهات حتى يكونوا على بيِّنة من أمرهم، فأكثر المواقف التي تضايقني هي تلك التي يتم فيها إرعاب الجالية في الأماكن العامة عندما يتقدم إليهم أقرانهم الكنديون ليستفهموا عن سبب توبيخ الطفل.

وغالبا ما يكون موقف الأهل خالياً من أي عنف، ولكن الهيئة العربية في الأماكن العامة تجعل من أي كندي (عنصري) لا تعجبه تلك الهيئة يتقدم بكل جرأة للتدخل في الموقف الطبيعي تماماً، والذي يحدث للأم أو الأب العربي في تلك اللحظة هو الرعب بكل ما تعني كلمة الرعب من معنى، فيتجمد الدم في عروقهم بسبب جهلهم بالقانون، ويتحول إلى كائن ضعيف لا يقوى على الرد وإدارة الموقف بشكل مُشرِّف، وهذا لا ينبغي على الإطلاق، و يجب أن تكون الجالية واعية وقادرة على الرد ومنع أي تدخل غير مُبرر.

سأختم بموقف بسيط يعكس لكم مدى التدخل الذي يمكن أن يحدث من الآخرين في حياتكم. منذ أيام بسيطة كانت زوجتي في السوق برفقة فتياتي، وبينما كانت زوجتي تحاسب على المشتريات كانت بناتي واقفات بعيدا عنها قليلا، فتقدمت إليهن امرأة كندية لا تعمل في المتجر، وبدأت تسألهن إن كن قد دفعن ثمن ما يأكلن .. فأجابت ابنتي الكبرى نعم، فقالت: أريني الفاتورة!

طبعا شعرت البنات بشيء من الرعب وكأنهنَّ يُمارسن نوع من أنواع الجريمة! وفي تلك الأثناء كانت زوجتي تستمع للحوار وتدخلَّت مباشرة وسألت المرأة هل تعتقدين بأنهن لم يتربين؟! ..ارتبكت المرأة، وأكملت زوجتي "هل تعتقدين أننا نُعلِّم أطفالنا السرقة؟ نحن نُعلمهم الأخلاق الحميدة" وبعد ذلك أجهزت عليها قائلة "لماذا لا تقومي بإدارة شؤونك الخاصة أفضل لك وللجميع؟"  فأدارت المرأة ظهرها وانصرفت!

ليس مهما أن تتفقوا معي أو تختلفوا، لكن مهم جدا أن تفهموا القانون في المكان الذي تعيشون فيه وأن تعيشوا بكرامة وأن تتقوا الله في نُطَفكم  فالله أحق أن تخشوه أكثر مما تخشون الدولة الكندية، وهو الذي سيُحاسبكم على تربيتكم لهم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة