خديجة جعفر
خديجة جعفر
260

"نحبّك هادي" المرأة والثورة وأزمة الرجولة

8/10/2017

الزمان والمكان والأبطال

"نحبّك هادي" فيلم تونسي من إخراج محمّد بن عطية، بدأ عرضه في عام 2016 في المسابقات الدولية ثم عُرض في دور السينما العربية في 2017 ولا يزال عرضه مستمرا في بعض البلدان.  

 

تدور أحداث الفيلم في تونس، وبالتحديد في مدينتي القيروان والمهدية، وتقع أحداثه في عام 2011 بعد الثورة التونسية التي تُلقي بظلالها على الحياة الاجتماعية لأبطال الفيلم، ولكن تظلّ في الخلفية دون تدخّل مباشر في الأحداث.

 

هادي وريم هما بطلا الفيلم. هادي، ذو الخمسة وعشرين ربيعا، يسكن في القيروان ويعمل مندوب مبيعات في شركة بيجو للسيارات، ويمارس هواية الرسم، ولا يُطلِع أحدا على رسوماته سوى ريم، ذات الأعوام الثلاثين التي تسكن في المهدية وتعمل راقصة في فندق على الشاطئ.

 

يقع البطلان في الغرام لزمن وجيز ثمّ يفترقان في نهاية الفيلم الذي يترك مصيرهما مجهولا. يأتي ذكر الثورة عرَضا في حديث لهادي وريم، يقول هادي إنّه شارك في تظاهرات الثورة، وتُعجب ريم بهذا، على الرغم من عدم مشاركتها واكتفائها بمشاهدة التظاهرات على التلفاز مع السياح في الفندق الذي تعمل فيه.

 

 فيلم "نحبك هادي" (مواقع التواصل)


قصّة الفيلم

لا يبدو البطلان راضيين عن حياتهما، هادي يعيش في القيروان في ظل التقاليد التي تخبره كيف يتزوّج ولماذا يعمل، ويبدو غير سعيد بكل ما يوفره له مجتمعه من عون ومساعدة لإتمام أمر زواجه وتكوين أسرة، ولكنّه في ذات الوقت لا يمسك بزمام حياته، بل ولا يتدخل فيها لتقرير أي أمر من أموره. في حين تعيش ريم في المهدية حياة خارج التقاليد، وتعمل راقصة لكسب عيشها، ولكنّها ليست راضية كذلك بعملها، بل ولا تعرف تماما ما تريد أن تفعله في حياتها. تقول لهادي في أحد مشاهد الفيلم حين سألها ما الذي تنوي فعله: هل تظن أني وأنا في الثلاثين سعيدة أني أقفز وأرقص أمام السياح!  يُظهر الفيلم عائلة هادي ومجتمعه التقليدي في القيروان، في حين لا يقول الفيلم عن عائلة ريم شيئا سوى من ذكرٍ عابر حين سألها هادي إن كانت تشتاق إلى أهلها.

 

يسير هادي دون تفكير في طريق الزواج، تختار له أمّه العروس "خديجة"، يتواطأ الجميع لتيسير وتمويل زواج الشابين. يتوسط لهادي والد العروس في شركة بيجو للسيارات ليحصل لهادي على وظيفة، وتوفر العائلة مسكن الزوجية، وتقوم والدة هادي بتدبير ماله لتوفير نفقات التأثيث والعرس ومهر العروس، ويحضر أخوه من فرنسا خصّيصا ليلعب دور الكبير ويخطب لأخيه العروس من أبيها.

 

أثناء ترتيبات الزواج يسافر إلى مدينة المهدية الشاطئية لمهام عمل، فينزل في الفندق الذي تعمل فيه ريم التي ينجذب لها وتنجذب له، ثم يفتتنان ببعضهما ولا يتردّدان أن يبدآ من حيث نهاية العشق، ويمارسان الحبّ دون سابق معرفة.

 

السلطة في الفيلم تمثّلت في سلطتي الأم والعمل، وتمثّل التحرّر في هادي الذي ثار على سلطة الأم في لحظة حبّه لريم وعلى سلطة العمل في لحظة إيمانه بموهبته في الرسم

يبدو الجميع راضين بترتيبات الزواج سوى هادي، وتبدو العروس خديجة راضية ومحبّة لعريسها، ترسلُ له رسائل الحب والشوق، وتقابله في سيارته لتعرب له عن شوقها له وللزواج القريب، ولكن تمتنع عن أي تعبير جسدي للحب، وتجزع حين يطالبها هادي بذلك تأثرا بعلاقته التي طرأت مع "ريم". هادي هو الوحيد غير الراضي بترتيبات الزواج وبالزواج نفسه، ولكنّه لا يبدي تذمّرا أو شكوى، ولا يتخذ موقفا ولا يتقدّم ليأخذ بزمام حياته، أو يختار ما يريد.

 

لا تبدو علاقة ريم بهادي علاقة حب حقيقية مبنية على تعارف وفَهم، بل علاقة افتتان تربك هادي ولا تربك ريم كثيرا. يتبادلان بعض الحوار، ويخفي هادي عن ريم أنّه على وشك الزواج، ثمّ يخبرها بذلك بعد أن بدأت علاقتهما، فتُصدم وتتركه لكذبه، وتصفه بالصبيانية، ولكنه يطلب السماح فتعطيه فرصة أخرى. يعدها بأنّه سيظلّ معها وسيسافر إلى حيث تسافر، وسيواصل رحلة الحب.

 

يترك هادي قطار ترتيبات الزواج يسير دون تدخّل منه، ودون أن يُعلِمَ عائلته بحبّه الجديد. لا يتراجع عن وعده بالزواج من خديجة، يترك العرس ليبدأ دون حضور العريس، لتُصدم خديجة هي الأخرى. يخذل خديجة على الرغم من مقدرته على اتخاذ موقف والتراجع عن الخِطبة، ويضرب بعرض الحائط جهود الجميع لأجل تزويجه واستقراره.

 

يحاول هادي الاندماج في عالم ريم التلقائي اللامبالي، ويقرّر السفر معها إلى إيطاليا. يسألها بعد أن ترك وظيفته وراوده خاطره أن يحترف الرسم الذي يحبّه "وماذا بعد أن أسافر معك إلى إيطاليا؟" تجيب ريم بالحقيقة وهي أنّها لا تعرف، هي تعيش اليوم وفقط، ولكنّ الإجابة لا تريح هادي، ولا تقنعه، يغيب عن ريم ساعات بدعوى تجهيز نفسه للسفر، ولكنّه يُعيد التفكير، ثمّ يقابلها في المطار ليودعها ويصدمها مرّة أخرى أنّه لن يفي بوعده لها، ولن يسافر معها. يترك الفيلم النهاية مفتوحة مع دموع هادي وريم في عذاب من صنع هادي.

 

صراع بين سلطة وحرية أم أزمة رجولة؟

دارت القراءات النّقدية لهذا الفيلم في فلك واحد، وهو فلك الصراع بين التسلط والتحرّر. والسلطة في الفيلم تمثّلت في سلطتي الأم والعمل، وتمثّل التحرّر في هادي الذي ثار على سلطة الأم في لحظة حبّه لريم وعلى سلطة العمل في لحظة إيمانه بموهبته في الرسم.

 

لم يَقنع هادي بالتقاليد التي تعلمنا كيف نعيش بناء على ما ترك أسلافنا من أعراف، وتحدّد لكلٍّ دورا يقوم به

مواقع التواصل
 

يقول أحد النقاد: "يصوّر فيلم "نحبك هادي" حالة شاب تونسي بعد الثورة التونسية يخضع لسيطرة والدته التي تحدد له اختياراته، ولا تسمح له بأي هامش يتحرك فيه بحرية، كما يخضع لسيطرة رب عمله، لذلك قرر الثورة واختيار الطريق الخاصة". وتصوّر ميريهان فؤاد أنّ هادي عاش ثورة داخلية في محاكاة للثورة الخارجية، تقول: "اختُزلَت الثورة في قصة حب مجد (هادي) وريم، بدءا من التحولات الجذريّة للشخصية الخاضعة في لحظة فارقة، تجريب العيش بلا سُلطة لأول مرة، حماس، أحلام في الأفق، حرية، خطة غير واضحة، خطوات غير محسوبة". وكانت بقية القراءات النقدية تدور في ذات المقاربات، مثل قراءة حميد عقبي في "ضفة ثالثة"، وعلى رغم وجاهة هذه القراءات فإني أرى أنّ المستوى الأعمق الذي تعالجه قصّة الفيلم ليست الصراع المباشر بين التسلط والحرية، وإنّما تحوّلات وأزمات "الرجولة" في لحظات الانتقال من نظام تقليدي إلى لا-نظام أو إلى حرية مفتوحة دون قواعد ودون ملامح أو خبرات بشرية سابقة يمكن الاستئناس بها. والرجولة في تصوري هي القدرة على الأخذ بزمام الأمور، وتحمّل المسؤولية تجاه الغير قبل النّفس، واحترام الكلمة والوفاء بالوعد. 

 

في الحقيقة فإنّ هادي لم يَقنع بالتقاليد التي تعلمنا كيف نعيش بناء على ما ترك أسلافنا من أعراف، وتحدّد لكلٍّ دورا يقوم به، وتعطي السلطة للأكبر وذوي الخبرة. ولكنّه لم يقنع كذلك بالعيش خارج التقاليد وإلقاء نفسه في وادي المجهول الذي سيكتشفه بنفسه، وعليه بالتالي تحمّل مسؤولية تدبّر العيش وحيدا ثمّ تحمّل المسؤولية تجاه من يحبّ. لم يختر أيّهما، بل ربّما لم يختر شيئا، لم يأخذ بزمام حياته ولم يقرّر ماذا يريد، ولم يفِ بوعده، خذَل خديجة، الفتاة التي تريد أن تكون أمًّا وزوجة، وخذل ريم، الفتاة التي تعيش ما تعطيه لها الحياة الآن، ولا تعرف الكثير عن غد.

 

لم يستقلّ عن والدته حين كان يجب عليه الاستقلال، خسر التقاليد ولم يكن على قدر الحرية والمسؤولية، ترك الماضي المعروف دون إنذار ولم يستقبل المستقبل المجهول بشجاعة، وقف بين المصيرين فلم يختر أيًّا منهما وترك حياته مفتوحة دون اختيار ودون مسؤولية. هكذا تبدو الرجولة وما تعنيه الرجولة في مأزق وأزمة في زمن التحولات والثورات.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة