"القدس عاصمة إسرائيل"

7/12/2017

"القدس عاصمة إسرائيل". بمجرد النظر إلى تلك الكلمات يقشعر بدنك، ترفض حتى نطقها، يرعبك مجرد التفكير فيها، وتشعر أنك خائن حين تضع أقدس الأماكن بجانب أقذر الأسماء، ذلك أن فطرتنا كعرب ومسلمين لا تتقبل مثل هذا الحدث، لكن هذا ما سيحدث فعلا فماذا أنتم فاعلون؟

 

القدس فكرة تجتاحنا وحنين لا ينتهي فينا ومدينة نظل لساعات نمعن النظر إليها من بعيد حتى لو لم نستطع دخولها. حين نتنفسها نحبس أنفاسنا كي لا تخرج منا، أنثى باذخة الجمال تهوي إليها القلوب. هل رأيتَ فلسطيني مر يوما من قرية العبيدية في طريقه إلى بيت لحم ولم يقف على ذلك الرصيف الذي يطل عليها، لم يركز طويلا وهو يبحث بين البيوت البعيدة عن قبتها اللامعة، لم يتنهد ويخفي حسرته ويواصل طريقه بقلبه إليها.

 

في القدس، حين ألقى العدو القنابل تحت أقدام المقدسيين اصطفوا ليصلوا العشاء. في القدس لا يهربون من العدو إلا إلى الله. في القدس يقتلنا العدو وننسى أن نموت، في القدس تكاد تسمع عطر الياسمينة ونواح الحجارة العتيقة حين يمر من جانبها الشهداء. يحدث أن يكون إمام الجمعة في القدس "شهيدا" اعتلى الموت وخطب بدمه لنعرف ما الذي يجعل حجارة هذه المدينة خنجرا يلمع في صدر العدو. في القدس مرابطات وحيدات جميلات يُشعلن قناديل صمودها، وتتحول الكلمات بمجرد الكتابة عنهن إلى كائن من صراخ يكشف عري هزيمتنا، في القدس "قلبي" الذي لم ينتظر إذن جندي على حاجز عسكري للدخول، في القدس أشياء كثيرة ستصبح ذنبنا الذي لن يُغتفَر.

 

لا شيء يمكن أن يعيد القدس سوى الوعي بضرورة تحريرها من الاحتلال، لأن هذه القضية لا تُسترد بالسياسة ولن يُلغيها اعتراف الرئيس الأمريكي أو حتى كل العالم بأنها عاصمة لإسرائيل

رويترز
 

في القدس شهداء لم يُدفنوا بعد، وشهداء دُفنوا على عجل بعدما ألقوا على أجسادهم برد ثلاجاتهم التي منعت أنفاس أحبتهم لتكون دفئا لهم في وداعهم الأخير. في القدس رجال لا يجيدون التوقف في لغة الغضب ولا السكون في ساحات الهزائم، وحين يغني العرب في مؤتمراتهم وجلساتهم على ليلاهم ويتذكرون المدينة من غرف فنادقهم الفخمة، تُصلي القدس حمدا لـ الله على عدم وجودهم فيها.

 

لا شيء يمكن أن يعيد القدس سوى الوعي بضرورة تحريرها من الاحتلال، لأن هذه القضية لا تُسترد بالسياسة ولن يُلغيها اعتراف الرئيس الأمريكي أو حتى كل العالم بأنها عاصمة لإسرائيل، فقد اعترف العالم بإسرائيل منذ عشرات السنين، وأقيمَ هذا الكيان على أرض فلسطينية، ومنذ ذلك الحين ونحن نقاوم وحدنا لاسترداد الأراضي المحتلة، وكما توجد فئة تؤمن بالسلام كذلك توجد غالبية تؤمن بالمقاومة وضرورة إزالة إسرائيل.

 

كلامي لا يعني تبسيط ما يحدث من تصرفات عنصرية ومتحيزة إلى إسرائيل، لكن كل فلسطيني يؤمن بالمقاومة يعرف تماما بأن كل هذه الاتفاقيات والاعترافات زائلة، وما دمنا نقاتل من أجل إنهاء الاحتلال من كل فلسطين، فيمكن أن نضيف هذا الاعتراف إلى قائمة الاستفزاز التي يجب أن يكون لها ثمن، والثمن لا يكون إلا بحرب دائمة تدمر الكيان الصهيوني، إن لم تكن الآن ستكون غدا أو بعد مئة سنة، المهم أن لا نتوقف عند مثل هذه الأحداث طويلا، فرفضنا الآن أن تكون القدس عاصمة لإسرائيل، ما هو إلا استمرار لرفضنا سابقا "تل أبيب" عاصمة لها، وهذا يعني أننا نرفض وجود هذا الكيان ولن ننقاش ما العاصمة المناسبة له، فجميعها أراضٍ فلسطينية محتلة لا مكان لهم عليها.

 

الموقف الوحيد الأقوى هو الموقف التركي، حيث حدد أردوغان بخطابه أمام حزب العدالة والتنمية سلسة من الخطوات ستُقدم عليها بلاده في حال إعلان الولايات المتحدة الأمريكية نقل سفارتها للقدس

وكالة الأناضول
 

ككل القضايا المصيرية التي حدثت في الفترة الأخيرة وسط تقلبات الشرق الأوسط، أصبحت ردة الفعل قاسية ولكن فقط في برودها وسخريتها، وكما دوما، لا شيء يجبر الاحتلال ومناصريه على التراجع عن أخطائهم سوى الشعب، وكما انتصر الفلسطينيون في إجبار العدو الإسرائيلي على إزالة البوابات الإلكترونية التي وضعها في بوابات المسجد الأقصى سينتصر في إلغاء هذا القرار، لكن الأمر يحتاج إلى وقفة حقيقية من كل فلسطيني وعربي داخل وخارج فلسطين، بالإضافة إلى ضرورة مساندة القيادة السياسية من الفصائل كافة لهذه التحركات ودعمها، طالما أن السياسة مفروضة علينا.

 

نحتاج إلى تجاهل كل ما يجري حولنا والتركيز على حقنا في الرفض والتمرد، ورغم عدم إيماني بالسياسة التي لطالما كان ثمنها المزيد من التنازلات، فإن ردة الفعل فلسطينيا وعربيا وإسلاميا يمكن أن يكون لها جدوى، على ألا تقتصر على الشجب والاستنكار والاقتراحات السخيفة كاقتراح السعودية، لأن ما يحدث هو خطوة جديدة باتجاه تصفية القضية الفلسطينية بمباركة دولية وعربية.

 

الموقف الوحيد الأقوى والذي كان يستحق الاحترام هو الموقف التركي، حيث حدد رجب طيب أردوغان في خطابه أمام حزب العدالة والتنمية سلسة من الخطوات ستُقدم عليها بلاده في حال إعلان الولايات المتحدة الأمريكية نقل سفارتها إلى القدس أو الاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل، محذرا ترامب من "إن القدس خط أحمر بالنسبة إلى المسلمين"، وسيمضي في مواجهة هذه الخطوة التي قد تصل إلى قطع علاقات تركيا الدبلوماسية مع إسرائيل.

 

الغريب أن تركيا التي استعادت حديثا علاقتها بإسرائيل، لم تتردد في قطع العلاقات معها من جديد إثر هذه الخطوة معتبرة هذا الاعتراف "طعنة كبيرة للوجدان والإنسانية"، بينما لم يصدر من الدول العربية أكثر من تحذيرات وتصريحات ناعمة تحفظ خط الرجعة لديهم مع أمريكا والاحتلال، في الوقت الذي تُقاد فيه حملة تشويه منظمة من قبل السعودية والإمارات للقدس بهدف التقليل من مكانتها وشأنها، لكن كل ذلك لا يُلغي أن هؤلاء الحثالة لن يستطيعوا تشويه صورة الأشياء المقدسة فينا، وكما قال أحدهم " بعها فــأنت لِما سواها أبيـع.. لكَ عـارُها ولهـا المقـام الأرفع".

 

مدينة مثل القدس تستحق منا وقفة جدية، تستحق أن نبذل أرواحنا في الدفاع عنها، وإن لم تستحق هي فما هو الشيء الذي يستحق؟ هي عاصمة لقلوبنا قبل أن تكون عاصمة لوطننا، وليس فينا من يسمح لعدوه باستباحة قلبه.

 

مدينة مثل القدس لا يكفيها الغضب الفيسبوكي ولن تحررها حملات الهاشتاج المليونية والتريند العالمي، وعلى الرغم من ضرورة الكلمة فإنه لا وقت الآن للندب والاستنكار والسخرية من المواقف العربية أو الفلسطينية تجاه ما يحدث، إن كان يجب أن تُكتب كلمات في هذا الشأن فيجب أن تكون دعوات لهبة جماهيرية وإضراب شامل يجبر القيادة الفلسطينية على قطع علاقتها مع إسرائيل والتخلي بشكل جدي عن التنسيق الأمني ورفع العقوبات عن غزة والكف عن الترصد للمقاومة المسلحة في الضفة الغربية، فلا جدوى من تحركات لا توجع الاحتلال.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة