رزان الزيود
رزان الزيود
4 k

شارع الرحمة

10/2/2017
اسمي أحمد، اشترى لي والدي حقيبةً مدرسية، سعيدٌ جداً بها، دخلتُ صفي الأول، زملائي لا يتوقفون عن الحديثِ ومشاركة ألعابهم ولوحاتِهم مع بعضهم البعض، أما أنا فيديَ ضعيفة، لم تكن تقوى على مجاراتِهم في تلوينِ اللوحاتِ أو كتابةِ أحرفِ اسمي بالقلم، كنتُ ما زلت أحاولُ أن أمسكَ القلم وأسيطرَ عليه بينَ أصابعِ يديَّ الضعيفتين، وكانوا هم قد أتقَنُوا ذلك، وبدؤُوا القراءةَ، وأنا لم تشأ الكلماتُ أن تخرجَ مِن فمي يسيرةً كما تفعل معهم، كلماتي غيرُ مفهومةٍ بالنسبة لهم، بطيئٌ أنا في كلِّ شيء، وهم أسرعُ مني بكثير.

في صفوفي المتوسطةِ من الدراسة زملائي أكبرُ حجماً، وأنضجُ فِكراً، أحاولُ أن أتحدّثَ إليهم، وأجلسَ إلى جانبهم، لكنهم ينفضُّون من حولي، ويتسلَّون بأحاديثهم عني، فيتذكرونَ مثلاً أنني لم أعرِف كيف ألفِظُ تلك الكلماتِ البسيطةَ في الصف، وكيف أني بدأتُ البكاء، بعد أن وبَّخني المُدرِّس وباشروا باستهزائِهم، وتنمّرهم عليّ.

أمي تقولُ لي: "ستصبحُ أقوى".
أنا في الصفوفِ الأخيرةِ من المدرسة، كلُّ ما أفعلُه في يومي هو الدراسةُ، فأنا أتلقّى الدروسَ الخصوصيةَ بعد المدرسة، ومع ذلك أحتاجُ وقتاً إضافياً في امتحاناتي، وكتابةِ واجباتي، ونقلِ ما يكتُبُه المدرِّس على اللوح، بسبب بُطء يدي في الكتابة، وضعفِ ذاكرتي التي تخونني كلَّ مرة، طلبتُ المساعدةَ من زملائي في الصف، لكنّهم رحلوا وتركوني وحيداً، أجلسُ مع نفسي في الصفّ الكبير، متعبٌ من ضغطِ الكتابة.
بعد فحصٍ طبيٍّ تبيّن أنني أملِكُ ذاكرةً قصيرةَ المدى، وأنّني أعاني من بطءِ نُموٍ جسديّ وعقليّ واستيعابيّ.

أنا في الصفِّ الأخير من المدرسة، لستُ في مكاني المناسب، ما يقدَّمُ للطلبةِ أكثرُ بكثيرٍ من طاقةِ استيعابي، الموادُ طويلةٌ ومكثفة، وأوراقُ الكتب لا نهايةَ لها، وأنا كنتُ أنهي الصفحةَ ببطءٍ شديد، رسبتُ في كثيرٍ من المواد، وجلستُ في البيت أحاولُ أن أعيدَ صفي الأخير للمرةِ الثانية والثالثة والرابعة، حتى استنفذتُ حقّي في الإعادة، أما زملائي فقد سبقوني في الحياةِ كما الدراسة، أنهَوا تعليمَهم الجامعيَّ، وعملوا في مهنٍ مختلفة، تزوّجوا وأنجبوا الكثيرَ من الأولاد، وأنا بحثتُ عن العملِ لكي أقتاتَ قوتي، لم يقبلني أحدٌ لأنّني بلا شهادة، ولأنني بطيءُ الحركة.

ما زلنا نفتقدُ إلى أسلوبٍ أو منهاجٍ تعليميٍّ يضمُّ كلَّ الطلبةِ بجميعِ مستوياتهم العقليةِ والفكريةِ والنفسية، كما تفعل المجتمعاتُ المتحضّرةُ في دول العالم الذي يُقدّر العلمَ وتعليمَ الحرف باختلافاتها
عشقتُ اللغةَ، تعمّقتُ فيها بعد أن قرأت بعض الأشعار ودواوينَ فحولِ الشعراء، سالت عندي ملَكةُ نَظْمِ الشّعر، فأصبَحَ يخرُجُ الشّعرُ مِن لساني من غيرِ تكلُّفٍ ولا عَناء.

لو أنّهم أعطَوني فرصةً ما لأثبت لهم أنّه رغمَ بُطئي إلا أنّني أملكُ مهاراتٍ جيدةً لكنهم ما سمعوني.
تقدمتُ للزّواج لكيلا أبقى وحيداً، ورفضني الجميعُ لأنني عاطل، هكذا لقبوني.

كلمةُ "عاطل" لم تضايقني كما لم تفعل كلمةُ "فاشل" و"غبيّ" و"أبلَه" و"بطيء" و"ضائع"، حتى جاء اليومُ وأصبحتُ فيه في الشارعِ بلا منزلٍ يُؤويني، وصارَ يطلقُ عليّ لقبُ "مشرد" و"مجنون".

هكذا كان لقائي بأحمد، لقد روى لي قصّته منذ شهرين، لم يكن يتحدَّثُ إليهِ أحد، كان رثَّ الثّياب، طويلَ الشّعر، كثيفَ اللحية، ممسك بكتاب أو ديوان، لم يكن يَنظُرُ إلى أحد، كي لا يرى خُبثَ البشر بنظَراتِهم إليه، أحمدُ كان نحيلاً من قلّة الطعام، سألتُه إن كانَ يشعُرُ بالبردِ، فقال إنّه اعتادَه، اعتادَ البردَ والجوعَ معاً، عندَما سألتُه ماذا يريد، قال أريدُ أن أعمَل، استغربتُ من طلبِه، ماذا يعملُ رجلٌ كبيرٌ في مثلِ سنِّه؟ سألتُه، قال: بتُّ أقرأُ عقولَ البشرِ وبِتّ أعرِف أن لا شيءَ يُشفقُ على نفسِك سوى نفسِك، ولا شيءَ يبعثُ الأمل في النفسِ سوى العمل، العملُ نجاح، والحِرفةُ انتصِارٌ على جوعي وبَردي وشفقتي على ذاتي. أيّ عملٍ يا ابنتي، أيُّ عمل.

تركته أبحثُ له عن عملٍ كحارسٍ أو بائعِ جرائد، أو أيِّ شيءٍ، أخبرتُ أقاربي وأصدقائي، وعُدتُ إليه لأُبشِّره بأنني وجدتُ له عملاً كحارسٍ للعمارةِ التي أَسكنُ فيها، لكنَّ أملي قد خابَ كأملِه. "رحلَ أحمدُ"، قال لي صاحبُ البقّالةِ مشيراً إلى حيثُ كان أحمدُ يجلس وينامُ في حجرةٍ فوقَ الرصيف، ويتلحّفُ بالجرائدِ القديمة.
مات أحمدُ قبلَ أن ينظُرَ إليهِ أحدٌ، أو يرأَفَ على حالِه، مات أحمدُ في شارعِ الرحمة، لو أن مَن اختارَ اسمَ الشارعِ رأى أحمدَ لغيَّر اسم الشارع إلى "شارع الظلَمَة".
فكَّرتُ كثيراً بأحمدَ بعدَ وفاتِه، أحمدُ كان متمسِّكاً بالتّعليمِ، لكنَّ التعليمَ لم يُنصف أحمد.

اليومَ أرى الأطفالَ يتزاحمُون للمدارس والدّراسة، وأقولُ في نفسي ما نفْعُ العِلم بلا إِنسانيّة، وما نَفْعُ المُدرِّس إن لم يكن رحيماً، وما نفْعُ المدارسِ إن لم تكن للجميع.

الكثيرُ من الطّلابِ يُعانون من صعوباتِ التعلّم أو غيرِها من الصعوباتِ أو الاحتياجاتِ الخاصةِ، هم ليسُوا عالةً على المجتمع، بل هم قادرون على الإبداعِ والعطاءِ تماماً كما الجميعُ بنسبٍ متفاوتة، ما زالت مناهجُنا وطريقةُ تدريسِنا مقصِّرةً بحقِّهم، في الوقت الذي يجب أن نكونَ نحن فيه أكثرَ المجتمعات تحضُّراً وإنسانية، ما زلنا نفتقدُ إلى أسلوبٍ أو منهاجٍ تعليميٍّ يضمُّ كلَّ الطلبةِ بجميعِ مستوياتهم العقليةِ والفكريةِ والنفسية، كما تفعل المجتمعاتُ المتحضّرةُ في دول العالم الذي يُقدّر العلمَ وتعليمَ الحرف باختلافاتها، ويؤمن أنّ التعليمَ حقٌّ من حقوقِ الأفرادِ على اختلاف نسبِ احتياجِهم للمساعدة والمساندة.

مِن حقّ الطالبِ أن ينجح مهما كانت قُدُراتُه، ومِن واجبنا كمدرسين وأكادميين أن نمنحَ النجاحَ لمُستحقيه، كلٌّ حسبَ مقدرتِه، فالنجاحُ ليس حِكراً على الذكيّ والغنيِّ والأقوى، النجاحُ للجميع.
امنحهُم النجاحَ كيلا يُصبحوا كُسالى وعاجزين، امنحهم شعورَ النجاحِ كيلا تحرمَهم إياه إلى الأبد. امنحهُم النجاحَ لأنّ النجاحَ ليس حِكرا على أحد. امنحهُم النجاحَ لأنّ اللهَ منحكَ إياه لتمنحَه لهم، لا لتبخَلَ به عليهم واتقوا الله.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة