سامي الحاج
سامي الحاج
864

"غوانتنامو قصَتي".. على بوابة باكستان

16/2/2017
وجدنا في نقطة العبور الحدودية "لأفغانستان" أكثر من سبعين صحفيًّا من وكالات الأنباء المختلفة يهمُّون كلهم بالدخول إلى قندهار في اليوم نفسه، فسُرِرنا كثيرًا بوجود رفقة جيدة في الطريق الموحشة إلى قندهار. تأخرت المعاملة فتساءل زميلي صداح الذي يمرُّ بالتجربة لأول مرة عن أسباب التأخير، فقلت له: إن المسؤولين الباكستانيين يطلبون رِشًا بشكل دائم، وردَّ صداح بأن الأوراق كاملة وسليمة ولا يمكنهم طلب شيء.
 

شرحت له أن ذلك من المسلَّمات هنا في هذه التخوم لدى هؤلاء الرسميين الذين يبدو أنهم يعيشون ضُروبًا من الوحشة يريدون أن يتقاضوا ثمنها عنوةً أو على أي نحو. ربَّما فهم صدَّاح لاحقًا قسوة كل شيء خصوصًا حينما لا يكون الحظ حليفًا له، فقد اتضح من أحد الضباط الرسميين الحدوديين أن المشكلة لم تكن في المبلغ الذي ينبغي أن يُدفع، بل تتعلق بقضية أخرى، هكذا قال لنا الضابط المسؤول! وعندما سألناه عن الأمر، قال: إن ثمة سوء فهم. فاستفسرته عن طبيعة سوء الفهم، فقال إنه سيخبرنا لاحقًا.
 

وطال انتظارنا ساعة أو ساعتين، وعاد بورقة سلَّمني إيَّاها لأقرأها، فتبين أن الصحفي السوداني المصوِّر لحساب قناة الجزيرة، والمسمَّى سامي، يجب إيقافه وإرجاعه إلى باكستان! وتحمل الورقة معلومات خاطئة عن تاريخ الميلاد، ورقم الجواز، وتهجئة الاسم الإنجليزي.
 

اتصل ضابط الجوازات بالاستخبارات وأبلغهم أنه في حال لم يتسلَّم أدلة تسمح له بتوقيفي، فسيسلمني جوازي ويسمح لي بالمغادرة. وكان رد الاستخبارات حاسمًا: "سنضعك في السجن إن قمت بذلك".

قال لي المسؤول: نحن ندرك أن هناك خطأ ما، فقد عبرْتَ الحدود من قبل ونحن نعرفك، لكن هذه الورقة وردت إلينا منذ أربعة أيام أو خمسة، فأوضحت له أنني في هذا الوقت كنت في إسلام أباد، ولو كان أمر التوقيف من حينها لأُوقفت هناك في العاصمة. وعاد لتكرار مقولة: إن هناك سوء فهم، وإنه يعرف أنني صحفي مررتُ من هنا من قبل، وتولَّى بنفسه إجراءات دخولي وخروجي، وطلب وقتًا لتصحيح الخطأ.
 

جلسنا وانتظرنا ساعاتٍ عدَّة. كان الزملاء في الجزيرة يتصلون بنا لمعرفة استعدادنا لتقديم تقرير أو إضاءة حول خبر ما، ونحن نبيِّن لهم أننا لم نتجاوز الحدود بعد حتى اتصل بنا المدير محمد جاسم العلي، وسألنا عن سبب التوقيف فشرحنا له وضعنا، فقال: إن الأمر على ما يبدو هو من باب سوء الفهم فعلًا، وإنه سيتصل بالسفارة القطرية لتتدخل في الموضوع. وفعلًا اتصل بنا السكرتير الثاني في السفارة القطرية مستفسرًا عن الوضع فشرحنا له ما حدث، فاستهان بالأمر وقال إنه سيعالجه قريبًا، وطلب منا الانتظار.
 

انتظرْنا.. وفي منتصف النهار اتصل مدير الجزيرة محمد جاسم العلي مرة أخرى فأخبرناه بأننا ما زلنا عند الحدود، وأننا نراجع ضابط الحدود الذي كان يؤكد دائمًا أن الاستخبارات لم تردَّ عليه بعد. وفي الساعة الثالثة تقريبًا حضر أحد ضباط الاستخبارات وعاين جوازي وبطاقتي الصحفية، كما عاين الورقة التي أرسلتها الاستخبارات، وأكد له ضابط الجوازات أنه رآني من قبل أدخل مرتين، فقال رجل الاستخبارات: إن في الموضوع خطأ وسيُصحِّحه مع المركز في كويتا، ثم خرج ولم يرجع في ذلك اليوم.
 

قضينا ليلتنا هناك، وفي الصباح كان يوم العيد. اتصل ضابط الجوازات بالاستخبارات وأبلغهم أنه في حال لم يتسلَّم أدلة تسمح له بتوقيفي، فسيسلمني جوازي ويسمح لي بالمغادرة. وكان رد الاستخبارات حاسمًا: "سنضعك في السجن إن قمت بذلك". لكن الرجل أصرَّ وقال لهم: خلال ساعتين إذا لم يأتِني رد حاسم سأترك الرجل يغادر. وفعلًا خلال ساعتين وصلت سيارات الاستخبارات العسكرية، وطلبوا مني مرافقتهم، وبعد ذلك لم أَرَ زميلي عبد الحق صداح.


في مكتب الاستخبارات أعطوني غرفة، وأكدوا لي أنهم سيقومون بتصحيح الخطأ، وقضيتُ معهم بقية يوم عيدهم، وهو بالنسبة لي اليوم الأخير من رمضان. وفي اليوم الثاني جاءني السكرتير الثاني في السفارة القطرية يرافقه أحد رجال الأمن والاستخبارات القطرية، وبضعة موظفين من السفارة. جاؤوا بالسيارة في رحلة استغرقت أكثر من ثماني عشرة ساعة، لعدم حصولهم على تذاكر بالطيران المحلي.
 

جاء الوفد لينهي اللَّبْسَ الموجود لدى رجال الأمن ولأسافر معهم عائدًا إلى الدوحة. وبالفعل أخرج السكرتير الثاني ورقة رسمية تثبت أنني الصحفي سامي الحاج، وأنني لست منتحلًا لهذه الصفة إجابة عن شكِّ الاستخبارات الباكستانية. وكتب ذلك بالإنجليزية، وختمها بالطابع الرسمي للسفارة. وأوضح الدبلوماسي القطري لضابط الاستخبارات أنه، فضلًا عن ذلك، يعرفني شخصيًّا، وأنني ترددت إليهم مرات في السفارة، نافيًا بذلك أي لبس في تطابق اسمي وشخصي.
 

طلبتُ من الضابط الباكستاني واسمه، على ما أذكر "أفتاب" السماح لي بالاتصال بأهلي تليفونيًّا. كان ذلك الضابط الذي كنت أسمعهم ينادونه بالنقيب يُظهر اقتناعه بأنني صحفي وأن القبض عليَّ قد تم عن طريق الخطأ.

تسلَّم ضابط الاستخبارات إفادة السفارة القطرية وأرسلها بالفاكس إلى رؤسائه، وانتظرنا عدة ساعات ولم يأتِ الرد. اقترح الضابط على الدبلوماسي القطري أن يأتي في اليوم التالي لأنه لم يتسلم ردًا على رسالته، ربما لانشغال أهل المكتب في كويتا بالعيد، عيد الفطر المبارك. عاد السكرتير ومرافقوه إلى كويتا ليستريحوا في فندق هناك، ولمتابعة القضية أيضًا ووعدوني بالعودة غدًا أو إذا جدَّ جديد.
 

في اليوم الثاني اتصل بي الدبلوماسي القطري، وأخبرني بأنهم راجعوا مكتب كويتا وقابلوا المسؤول هناك، وأخبرهم أنه لا يستطيع الفصل في الموضوع ما لم تأته إشارة من إسلام أباد، وأن المسؤولين مشغولون بإجازة العيد، والتهديد الهندي إذَّاك باجتياح الحدود الباكستانية من جهة كشمير، وأن الاستخبارات مشغولة بهذا الحدث، وأن وزير الداخلية مسافر مع الرئيس في مهمة إلى الصين.
 

وبعد يومين اتصلت بي السفارة مجددًا لتؤكد لي أنهم لم يصلوا إلى نتيجة مع مكتب كويتا، وأنهم سيعودون إلى إسلام أباد لمتابعة الوضع من هناك. وبقيت هناك في الغرفة التي خُصِّصت لي في مكتب الاستخبارات، وطلبتُ من الضابط الباكستاني واسمه، على ما أذكر "أفتاب" السماح لي بالاتصال بأهلي تليفونيًّا. كان ذلك الضابط الذي كنت أسمعهم ينادونه بالنقيب يُظهر اقتناعه بأنني صحفي وأن القبض عليَّ قد تم عن طريق الخطأ.

وعليه، لم يتردد في السماح لي باستعمال الهاتف، وأعطيته مبلغًا من المال فاشترى لي بطاقات، واتصلت بزوجتي أم محمد وكانت في أذربيجان، فباركت لها ولعائلتها العيد. واتصلت بأهلي في السودان ولم أخبرهم بأنني موقوف في مكتب الشرطة، ووعدت زوجتي بأننا سنلتقي قريبًا في الدوحة. وبقيت على أمل أن يأتي اتصال وينهي هذا الوضع. لم يكن لي أي اتصال بصدَّاح الذي علمت من وفد السفارة أنه وصل إلى قندهار وينتظرني هناك للِّحاق به.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة