محمد جلال القصاص
محمد جلال القصاص
2.5 k

التوظيف السياسي للدعوة السلفية (1)

17/2/2017
بدأت الدعوة السلفية في الجزيرة العربية بتحالفٍ بين "السياسي" و "الدعوي" لهدفٍ معلن يتمحور حول استئناف الحياة الإسلامية من جديد. ويحرص المنتسبون لمدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على إظهار الشمولية في الفكر وأنهم حققوا نموذجًا عمليًا في التطبيق. ولا زالت بعض أطروحاتهم تتحدث عن استمرارية التطبيق العملي للأحكام الشرعية في نموذجهم على أرض الجزيرة العربية. وتصلح الحالة السلفية التي تنسب للشيخ محمد بن عبد الوهاب نموذجًا للإجابة على سؤالٍ يبحث عن العلاقة بين الدعوي والسياسي. وهو ما تحاول هذه الأطروحة إلقاء الضوء عليه، وذلك باستخدام الحالة السلفية المنتسبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب نموذجًا.

ونظرًا لطول التجربة التاريخية للدعوة السلفية، ونظرًا لأن المراد هو توضيح الفكرة، وأن المقام مقال (تدوينة) وليس بحثًا علميًا، فسنكتفي بإلقاء الضوء على مشهد التأسيس وعلى المشهد المعاصر لبيان طبيعة التفاعل بين السياسي والدعوي.

لم تنشغل الدعوة السلفية بالمعطيات الدولية، بل انشغلت بقضايا فرعية ذات علاقة بالسلوك الشخصي للأفراد مع ادعائها الشمولية في الرؤية!
الفواعل الثلاثة في النشأة:
ظهرت الدعوة السلفية (التجديد الديني على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب) في القرن الثامن عشر الميلادي، وفي سياق النشأة ظهر ثلاثة فاعلين: أولهما: الفاعل الدولي (الاحتلال الغربي والدولة العثمانية)، وثانيهما: السياسي المحلي الطامح للحكم، والثالث هو "الشيخ" الباحث عن صحوة إسلامية.. عن استئناف الحياة الإسلامية -حسب رؤيته- على أرض الواقع. وحدث بينهما تفاعل يمكن من خلال تتبعه أن نرى بوضوح مكان "الشيخ الصحوي" وطبيعة التفاعل بينه وبين دوائر الفعل السياسي المحلي والدولي، على النحو التالي:

شهد القرن الثامن عشر مواجهة بين القوى الدولية التي تبحث عن استمرارية الهيمنة على شواطئ الخليج تأمينًا لتدفق الموارد المادية من الهند ودول الجنوب إلى أوروبا الناهضة عن طريق مصر و "رأس الرجاء الصالح"، وبين القوى المحلية التي تقاوم النفوذ الغربي في الجنوب الإسلامي (قبيلة القواسم التي سيطرت على الضفة الغربية لشاطئ الخليج وهددت التجارة الدولية بين الهند وأوروبا، والمماليك في مصر ومحاولتهم إبقاء تدفق التجارة لأوروبا عبر البحر الأحمر حفاظًا على أرباحهم من عملية النقل والخدمات التجارية، والدولة العثمانية التي كانت تناطح أوروبا وتبحث عن مزيدٍ من الهيمنة في المنطقة).

لم تنشغل الدعوة السلفية بالمعطيات الدولية، بل انشغلت بقضايا فرعية ذات علاقة بالسلوك الشخصي للأفراد مع ادعائها الشمولية في الرؤية! انشغلت بانتشار البدع التعبدية عند الأفراد، وأن صلاح الفرد وإخراجه من البدع العملية هو نقطة الانطلاق لاستئناف الحياة الإسلامية من جديد! وتضخم هذا الأمر في حسها حتى لم تعد ترى غيره، وتحالفت مع من مكنها من تحقيق أهدافها في "إصلاح الفرد" (القضاء على الانحرافات السلوكية عند الأفراد.. ما تصفه بالبدعة والشرك الأصغر والأكبر).

وانشغل الفاعل الدولي الأوروبي بتحقيق الهيمنة على المنطقة الإسلامية ورسم السياسات العامة للمنطقة ككل، فعمد إلى تحطيم القوى المعارضة، وإعادة هيكلتها، وبناء مراكز قوى جديدة على شاطئ الخليج، وإقامة تحالفات مع المناوئين للعثمانيين والخليج في بلاد فارس؛ وبعد تكسير عظام المعارضين .. وفي سياق التفتيت للمنطقة تم السماح للطامحين المحليين.. الطواقين للحكم بإقامة كيانات سياسية محدودة جغرافيا ومتصالحة مع الفاعل الدولي الأوروبي، فظهر "الشاطئ المتصالح" مع الغرب.

انشغال "الشيخ" بالقضايا الفردية جعله لا يطرح سؤال الدولة؟ أو طبيعة الحكم؟ ومحدودية الثقافة، وعدم السعي إلى امتلاك صورة شاملة للأمة، أو عدم قدرته على امتلاك هذا التصور الشامل للأمة وما يفعل بها.
قد كان الفاعل الدولي يفكر بعقليته الغربية القائمة على الصراع، أو: على إدارة منظومة متصارعة، وظهرت أداة التفتيت -والتي لا زالت تعمل إلى اليوم- كأحد الوسائل لاستخراجات كيانات متصارعة على النفوذ السياسي، أو على الموارد، أو على خلفيات أيدلوجية، أو عرقية.. إلخ.

واتجه الفاعل السياسي المحلي لتكوين دولته فاستدعى "الشيخ"، وفتح الآفاق -نظريًا- لطموحاته في استئناف الحياة الإسلامية من جديد على ظهر المعمورة كلها على أن يبدأ بالمساحة الجغرافية المحدودة التي تحيط بالشيخ ويطمح السياسي في إقامة "دولة قومية ذات نهج غربي" عليها.

انشغال "الشيخ" بالقضايا الفردية جعله لا يطرح سؤال الدولة؟ أو طبيعة الحكم؟ ومحدودية الثقافة، وعدم السعي إلى امتلاك صورة شاملة للأمة، أو عدم قدرته على امتلاك هذا التصور الشامل للأمة وما يفعل بها؛ وجهله بحال أوروبا الناهضة وحركتها شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا بحثًا عن الموارد لإتمام نهضتها، وحقدها على الإسلام والمسلمين والذي ترجم نظريًا في عقلٍ جمعي يرى في المسلمين (أو الجنوب عمومًا) تهديدًا صريحًا لسيادتها. بل لوجودها وترجم عمليًا في إصرارٍ على فرض الهيمنة والسيطرة على "الجنوب" في جميع المجالات وتعمد إضعاف دول الجنوب؛ وكذا الفهم الخاطئ لنموذج الأول للسيرة النبوية وأنه بدأ بخاصة الفرد دون الانشغال بالأمم السائدة، كل هذا جعله ينكفئ على محيطة الضيق جغرافيًا (القرية أو المدينة)، وجعله لا يتجاوز سلوك الفرد. 

واستدعى من النموذج الأول للرسالة في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يعضد فكرته، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرى بوضوح حال الممالك من حوله، وأن النجاشي لا يظلم عنده أحد، وكان يراقب تجارة قريش واستهدفها في وضعها الطبعي وحين غيرت طريقها، وكان يراقب القبائل ويباغتها، وأمسك بزمام الاقتصاد (السوق) بعد بناء المسجد بساعة، إذ أنشأ للمسلمين سوقهم فور الانتهاء من بناء المسجد، وسيطر على القرار السياسي في المدينة بوثيقة المدينة الشهيرة، وباغت كل من حوله في حركة أممية شديدة الوعي واسعة الانتشار.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة