سامي الحاج
سامي الحاج
8.2 k

"غوانتنامو قصَتي".. سقوط كابل

2/2/2017

نفض الطائر رأسه وضرب جناحيه كأنه يطرد النعاس فحدقتُ فيه مليًّا ثم سمعته يعود للغناء فابتسمت ودفعت القلم على الورقة وكتبت: بقيت في أفغانستان وواصلت تغطية الأحداث إلى أن سقطت كابول، وانسحب الزميل تيسير علوني وسافر إلى باكستان، ثم خرج منها إلى الدوحة في قطر، بينا أنا ومن معي تمر الأيام ولم نزل في قندهار. ثم شيئًا فشيئًا بعد سقوط كابول بدأ التركيز على قندهار، فتركز القصف الأميركي عليها. كنَّا نشاهد يوميًّا عشرات القتلى من المدنيين الأبرياء أطفالًا ونساءً وشيوخًا يكتظ بهم المستشفى الوحيد في المدينة والمعروف بالمستشفى الصيني.

 

تقع قندهار في الجنوب وهي ثالث أكبر مدينة أفغانية بعد كابول وهيرات، وأهلها من البشتون، واسمها مختلَفٌ فيه، فقيل: إنه مقتبسٌ من كلمة غراندهارا وهي مملكة مجاورة للحدود الأفغانية الكشميرية، وقيل: إنه اسم مقدوني من الأسماء التي اختارها الإسكندر الأكبر لتسمية مدن تلك البقاع من آسيا؛ فالإسكندر هو أول من أحيا المدينة التي أصبحت من بعده هدفًا للإمبراطوريات المتعاقبة نظرًا لموقعها الاستراتيجي. وقد دخل الإسلام قندهار في عهد العباسيين، وتعزَّزت ركائزه مع العرب ثم لاحقًا مع الأتراك. وفي القرن الثامن عشر صارت قندهار عاصمةً لأفغانستان مع صعود البشتون، ولكنها سرعان ما فقدت تلك المكانة لمصلحة كابول التي ظلت عاصمة حتى اليوم.

 

أقمنا في كويتا عدة أيام؛ حيث علمنا أن الطيب آغا السكرتير الخاص بالملا محمد عمر سيعقد مؤتمرًا صحفيًّا في منطقة بولدق، فرجعنا أنا ويوسف الشولي وإبراهيم نصار مع الصحفيين، وحضرنا المؤتمر الصحفي في تلك المنطقة الأفغانية

لكن ما يعنيني الآن هو أن كابول قد سقطت في أيدي الأميركيين، وازداد القصف على هيرات حتى سقطت، ليشتد التضييق على قندهار. كنا لا نستطيع النوم ليلًا في قندهار، فكنا نقضي ليلتنا خارجها ثم نعود في الصباح على الرغم من أن التفجيرات تتواصل، وازداد الوضع سوءًا بقطع الكهرباء، ولم يبق لنا من مأوى إلا المستشفى الصيني، فكنا نلجأ إليه لإرسال تقاريرنا.

 

في تلك الظروف حلَّ علينا شهر رمضان المبارك، وفي أول يوم منه أبلغتنا حركة طالبان بأنها ستنسحب وتُخلي مدينة قندهار، يومئذٍ نصَحَنا المترجم الأفغاني بمغادرة المدينة، وقيل لنا: إن الحركة إذا انسحبت فإن الأمن سينعدم وسيتقاتل الأفغان، وأذكر عبارة قالها لي المترجم ولن أنساها أبدًا، قال لي: يا سامي، أنت لا تعرف الأفغان عندما يتقاتلون بعضهم مع بعض، إنهم أشرس من الكلاب، وإني أنصحكم جميعًا بأن تغادروا قندهار.

 

وبالفعل خرجنا، أنا ويوسف الشولي والمهندس إبراهيم نصار، في أول يوم من رمضان، وأظنه صادف يوم جمعة، إلى منطقة "بولدق" الحدودية، وهناك انتقلنا إلى جمان، ومن جمان عدنا إلى كويتا.

 

أقمنا في كويتا عدة أيام؛ حيث علمنا أن الطيب آغا السكرتير الخاص بالملا محمد عمر سيعقد مؤتمرًا صحفيًّا في منطقة بولدق، فرجعنا أنا ويوسف الشولي وإبراهيم نصار مع الصحفيين، وحضرنا المؤتمر الصحفي في تلك المنطقة الأفغانية. كما قمنا بتغطية أوضاع المهاجرين من البدو الأفغان، وهناك كانت لنا ذكريات مريرة: ذهبنا مرة لتغطية مخيمات المهاجرين في بولدق، شدتني صورة امرأة في العشرينات من عمرها كانت تغسل ملابس أطفالها بماء عكر وليس بيدها قطعة صابون، كانت تغسل بيد وباليد الأخرى تحمل طفلًا يرضع من ثديها بينما كان إلى جوارها في الوقت نفسه ولد آخر يُراوح عمره بين ثلاث وأربع سنوات، كان يبكي بجوارها وهي تغسل تلك الملابس وتحمل رضيعها. قررت تصوير تلك الوضعية التي أراها تختصر جزءًا كبيرًا من المأساة الأفغانية حتى يدرك العالم على من تدور الحروب، ومن هم المتأثرون بها والمكتوون بنيران الولايات المتحدة الأميركية، التي تدَّعي أنها راعية السلام والحقوق، وراعية الديمقراطية، والداعية إلى السلام العالمي.

 

الصرة الحمراء اليت أمسكتها فيها أشلاء زوج الشابة المصروعة وأبيها وإخوانها وزوجات إخوانها. تبين لنا فيما بعد أن الطيران أغار على قرية أهل هذه المرأة وقتل جميع أفراد أسرتها، ولم يبق لها إلا تلك العجوز وطفلاها

أخذتُ الكاميرا، وبدأت أصور المرأة التي قدَّرتُ أن عمرها بين الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين، صادفت أمامها حقائب محترقة مسودة كأنها تأثرت بآثار حريق. بدأت أصور أمتعتها المبعثرة تحت الشمس، رأيت مصحفًا احترقت أجزاءٌ منه، ولما اقتربت منه لتصويره وجدت صرَّةً من قماش حمراء اللون تتكوَّر فوق المصحف. حاولت إبعاد قطعة القماش، فشهقت المرأة شهقة غير عادية، وصرعت كمن تلبَّسه جِنٌّ، وهي تصرخ وتتلوَّى وتتفوَّه بكلمات قوية لا أفهمها1.

 

تعجبت من أمرها وسألت المترجم عن سبب ثورتها وهياجها إذ تحوَّل كلامها رغوًا وزبدًا، وسر تلوِّيها إلى ما يشبه النوبة. قلت له: يجب أن تمسكوها حتى لا تنكشف. وفجأةً برزت لي أُمُّها وأقبلت تعدو مسرعة، ودفعتني وهي ترطن بالأفغانية، فسألت المترجم عمَّا قالت، فأجابني بأنها تحتج على إمساكي صرة القماش الحمراء التي كانت موضوعة على المصحف، وأن تصرفي ذلك تسبَّب فيما وقع لابنتها من صرع. وأوضحَتْ في كلامها للمترجم أن هذه الصرة الحمراء فيها أشلاء زوج الشابة المصروعة وأبيها وإخوانها وزوجات إخوانها. تبين لنا فيما بعد أن الطيران أغار على قرية أهل هذه المرأة وقتل جميع أفراد أسرتها، ولم يبق لها إلا تلك العجوز وطفلاها. كما احترقت كل أغراضهم ولم يبق لهم إلا ما تجمع من أشلاء في تلك الصُّرَّة التي تصطحبها معها في كل مكان تذهب إليه.

 

تلك الصورة أثَّرت في نفسي تأثيرًا بالغًا، مشهد تلك المسكينة وأهلها من صغار وكبار خصوصًا أن هؤلاء لا علم لهم بما يجري حولهم، فهم لا يدركون حتى أن كابول عاصمة بلد اسمه أفغانستان وهم يحملون جنسيته، وأنها قد سقطت في حرب مع الولايات المتحدة، وأن الحرب تُشن على الإرهاب وأن ذويهم الذين فقدوهم هم من الإرهابيين بمعنى أو بآخر في سياق هذه الحرب العنيفة. تلك لعمري ميلودراما رهيبة: أن تفقد كل شيء لأسباب لا تفهمها!

 

قضينا أيامًا في بولدق نقلنا فيها أوضاع المهاجرين، ومنها عدنا إلى جمان بعد أن علمنا أن حركة طالبان على وشك الانسحاب من هناك.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة