بيسان الشيخ
بيسان الشيخ
1.4 k

الخوف والفشل.. إذ يوقظهما امتحان اللغة

26/2/2017
لا أذكر المرة الأخيرة التي جندت فيها نفسي وسخرت وقتي وطاقتي وجهدي لاجتياز امتحان كما أفعل اليوم. ربما كان ذلك في آخر سنوات الجامعة أو قبلها بقليل. ذاك أن السنتين الأخيرتين من الدراسة كانتا أقرب إلى العمل التطبيقي والبحثي الذي خف معه هاجس الامتحان بمعناه المدرسي وارتفع فيه منسوب التطلع للانعتاق من النظام الصارم للكلية التي انخرطت فيها.
 

اليوم أعود تلميذة صغيرة مع امتحان اللغة التركية. بداية اقتطعت يومي إجازة من عملي، وألغيت سفراً، وتلكأت عن كتابة مقال، والأهم أني هجرت "فايسبوك" إلا لبعض التلصص العابر. أنظر إلى دفاتري ولا أعرف من أين أبدأ. أعيد ما أعرفه جيداً لأرفع معنوياتي وأؤجل ما لست متمكنة منه لوقت أفضل. أصل إلى تصريف الأفعال والاستثناءات فأشعر فجأة بالجوع، أو العطش، أو التعب.. أنصرف. فأعود، وأدرس. أخطئ في تهجئة كلمة، أو إملاء أخرى. أبتعد. ثم أعود، وأدرس من جديد.
 

أذهب إلى الإيميل لأجيب على رسالة متأخرة، فأقول إنه لا ضير بعبور سريع على واتساب وفايسبوك ثم أشكر الله أنني لست على انستغرام أو تويتر. أفكر بكل هؤلاء الطلاب الذين عليهم أن يركزوا على دروسهم فيما يتاح لهم من التسالي ما يفوق القدرة على المقاومة. فحين كنت طالبة لم يكن أياً من وسائل التواصل الاجتماعي موجوداً بعد، ولكني على رغم ذلك لم أعدم وسيلة للتشتت والتلهي وإضاعة الوقت. فكان يكفي أن أجلس على الشرفة خلال فترات الدراسة التي تسبق الامتحانات النهائية، وأسرح نظري في الحديقة أو الغسيل المنشور ليضيع نصف نهاري. كان ذلك خلال المرحلة الثانوية تحديداً، ولكن السلوك نفسه لا يزال يرافقني.
 

واخترعت لنفسي نظرية واجهت بها والدي حين طالبني أن "أبذل بعض الجهد الإضافي لأكون الأولى.. لأنه لا ينقصني شيء" فأرد في المقابل "بلى! ينقصني الوقت!" ليحتار والدي بأمري، ويصرفني عنه.

حينذاك كان وليد ابن الجيران ورفيق الحافلة المدرسية لبعض الوقت، يدرس لدخول كلية الحقوق، كما كانت صديقتي سمر تستعد لاجتياز امتحان الباكالوريا وقد أقرً حديثاً بعد نهاية الحرب الأهلية. ولكن شتان بين من يستيقظ مع الفجر بنشاط ليبدأ مشوار الحفظ ومن توقظه جدته بعد انقضاء ساعات الصباح الأولى لتذكره باليوم المشؤوم! كانت جدتي تضرب لي مثال وليد بطريقة تقارب التهديد، وتقول إنه سيصبح محامياً قد الدنيا! لا بل قد يعين قاضياً لشدة انكبابه على العلم.. وسمر نفسها ولفرط شطارتها تنقطع عن زيارتي لتركز على دروسها، فيما أنا أقابل الكتاب كمن يذهب إلى حبل المشنقة!
 

كانت تلك أسطوانة الصباح أيام المدرسة، لحقتها في أيام الجامعة أسطوانة مشابهة لرفيقة سكني التي كانت، لسبب غامض، تدرس ليلاً وتنام نهاراً. اكتشفت لاحقاً إن عدداً كبيراً من الطلاب يفعلون ذلك، فيقولون مثلاً إنهم يركزون خلال الليل أكثر، وأن المعلومات ترسخ في الذهن بشكل أفضل.. وحين حاولت أن أجاري الأصدقاء مرة، بقيت منهكة ليومين متتالين خسرت فيهما ما كنت لأنجزه لولا هذه المغامرة البائسة. فأنا كنت أخصص وقتاً إضافياً للدرس بطبيعة الحال، ولكن من دون تغيير جذري في سياق نهاري أو إعلان حالة استنفار حربي. وأكثر ما كان يغيظني ويحرق دمي في تلك المرحلة، هؤلاء الأهل والأبناء الذين يعلنون متباهين في الجلسات العائلية إنهم "أعادوا البرنامج لمرتين وهم على مشارف الثالثة"، فيما أنا أعلم مسبقاً إنني قد لا أبلغ آخر فصول الكتاب أصلاً.
 

ولكن ما أزاح هذا الهم التنافسي عن كاهلي، أنني رصدت والدتي ذات مرة، تنظر باستغراب شديد لإحدى قريباتنا وهي تدلو بتصريحها ذاك فتقول لها "الفحص (الامتحان) مش قصاص". جاءت تلك العبارة برداً وسلاماً علي، بالمعنى الحرفي إذ فهمت معها مصدر تماسكي وهدوئي حيال الامتحانات، وأدركت أنها أيضاً مما لا يزال يرافقني حتى اليوم من سلوك إزاء اختبارات ومطبات كثيرة.
 

كنت أقلق بالطبع، وأتوجس من أسئلة لن أعرف الإجابة عليها وأتوتر لمحاولة اللحاق بها قبيل اليوم المشؤوم، فأترك خاناتها فارغة أحياناً، وأكتفي بالإجابة عن تلك التي أعرف حلها. واخترعت لنفسي نظرية واجهت بها والدي حين طالبني أن "أبذل بعض الجهد الإضافي لأكون الأولى.. لأنه لا ينقصني شيء" مردداً ما يقوله الأهل لأولادهم. فأرد في المقابل "بلى! ينقصني الوقت!" ليحتار والدي بأمري، ويصرفني عنه. وأنا كنت الأولى لمرة أو اثنتين خلال كامل مسيرتي الدراسية. وفعلت ذلك "للنكاية" تقريباً.
 

وفي مرة أخرى تعمدت الرسوب في مادة "للنكاية" أيضاً. ولكني عموماً كنت أنجح بعلامات جيدة، ومرضية لي والأهم أنها تتم بمجهود معقول. وتفيد نظريتي تلك بأنني ربما كنت قادرة بالفعل على مزيد من الانضباط والعطاء الدراسي، مقابل بضع علامات إضافية أحجز فيها المرتبة الأولى في الصف، "لكن لا ضمانات يا بابا! والثمن في المقابل كبير جداً" رحت أقول أمام ذهول والدي.
 

سأنجح.. أقول لنفسي. يجب أن أنجح. لن أرسب هذه المرة. فذلك الإصرار لم يأت من عدم. سبق لي أن رسبت في امتحان اللغة نفسه وشعرت بصفعة لم أشعر بها منذ أيام دراستي الفعلية.

وفي سياق شرحي، بدأت أضرب الوتر الذي يحرك مشاعره. فأحسب له ساعات النهار لأدفعه هو إلى الاستنتاج بأنه لن يبقى لي وقت للقراءة، أو ارتياد السينما، والقيام بكل تلك النشاطات اللاصفية التي أعلم أيضاً أنها تلبي انتظاراته مني وتطلعاته الي.. قلت سأصبح حبيسة بضعة علامات إضافية ورهينة منافسة أكره شروطها. فأنا أمقت الحفظ، وأفعل ما بوسعي لتفاديه، كما أمقت حتى اليوم كل تلك الطرق التقليدية التي فرضت علينا تخزين المعلومات، وليس اكتساب المعرفة، ثم قياس نجاحنا وفشلنا وفق إجابات "بافلوفية".
 

ولكن فجأة، أراني اليوم قبيل امتحان اللغة أفتح الجداول وأحفظ. أتلو الأرقام، والكلمات، وتصريف الأفعال. أخترع لنفسي تمارين لترسيخ القواعد وأساليب الصياغة. أتلعثم فأعيد، أخطئ فأكرر. أكتب اللواحق بلون مختلف لأحفظها في ذاكرتي البصرية. أرفع صوتي بقراءتها لأطوع لساني على نطقها وتسجل أذناي وقعها.

سأنجح أقول لنفسي. يجب أن أنجح. لن أرسب هذه المرة. فذلك الإصرار لم يأت من عدم. سبق لي أن رسبت في امتحان اللغة نفسه وشعرت بصفعة لم أشعر بها منذ أيام دراستي الفعلية. نعم رسبت ولم تسعفني نظرياتي السابقة في رفع معدل القواعد علامات قليلة كانت لتنقذ كبريائي.
 

خرجت يومها من قاعة الامتحان وقد تبلغت النتيجة، فشهقت بالبكاء واتصلت بوالدي أخبره بفجيعتي. لم يصدق وراح يضحك معتقداً أنني أمازحه.. وأنا أكرر "عن جد سقطت.. والله العظيم سقطت". ورحت أتخيل كل رفاق صفي الذين نجحوا وترفعوا إلى المستوى الثاني. فأكتم غيظي وأضبط نفسي عن ذرف المزيد من الدموع. وفجأة حضرني كل فشل واجهته في حياتي وكل استحقاق تكاسلت عنه، وكل صوت صعقته جدتي في تلك الصباحات يتوعدني بيوم يكرم فيه المرء أو يهان. 

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة