هديل عويس
هديل عويس
909

هل سوريا حقاً بلد واحد؟

27/2/2017

ينتابني شعور باليتم حين أرى دولة أخرى تحتفل بنجاح أو نصر أو ذكرى أو عيد، حتى الإجازات تشعرني بهذه الوحدة فكل طالب مهاجر في صفي يملك وطن يرجع إليه أيام العطل، وإذا لم يرجع بالأعياد فحتماً سيزور بلده في الصيف، أما نحن السوريين فلم يبقى لنا لا بلد ولا ذكرى ولا عيد مشترك.. كل شيء تقريباً انهار وقضايانا التي كانت كبرى سقطت ومشتركاتنا نسيناها وهذا أقل تقدير بعد كل الفظائع التي حلت على الشعب السوري من الشعب السوري نفسه..
 

المشكلة أن الشعب الضحية لم يبقى شعباً واحداً بل صار شعوباً وحبذا لو بقيت الضحية متماسكة لعلنا كنا كسبنا شيء.. المعارضة أصبحت معارضات، والنظام أصبح تأثيره تأثير النملة أمام الروسي والإيراني والعراقي واللبناني الذين باتوا الحكام الفعليين للبلد..
 

الأسبوع الماضي كانت الكويت تحتفل بيومها الوطني، وكانت مظاهر السعادة والفخر بادية على الكويتيين الذين يملكون أيضاً ما يفرقهم كأي شعب لكنهم مازالوا يملكون من المشتركات الكثير لتمتلئ شوارعهم بمحبي الكويت والفخورين باستقلالها.. بينما كانت الكويت تحتفل بانتصارها كان تلفزيون النظام السوري يحتفل بذكرى تأسيس الجيش الروسي وعبقرية القائد المفدى بوتين! وكأن النظام يقول للشعب سأهينكم وسأمحي شيء اسمه استقلال سوريا وسيادتها من القواميس، وسترضخون كما رضختم طيلة ست سنوات، ومن لم يرضخ فمصيره القتل أو السجن أو النفي إذا كان محظوظاً..
 

وحدة سوريا أصبحت شيئا ثانويا عند كل المكونات السورية، ومن يؤمن منهم بوحدة سوريا فإنه يؤمن بأن هذه الوحدة يجب أن تكون بقيادته وصبغته وعلى مقاس طائفته.

لا زلت أبحث عن مشتركات بين السوريين علّني أسكن شعوراً بداخلي يقول أن نهاية سوريا بعد كل ما حصل هي التقسيم وليس شيء آخر سواه، ولو كان الحفاظ على سوريا موحّدة مشروطاً بسقوط النظام لكانت المشكلة قابلة للحل، ولو كانت المشكلة في الأكراد المتهمين برغبتهم بالانفصال فهناك حلول أيضاً، لكن المشكلة هي أن كل مدينة وكل قرية وكل شارع في سوريا أصبح منقسم على نفسه، في الغوطة فصائل فاقت استماتتها في القتال ضد بعضها البعض استماتتها ضد النظام.. في الشمال آفة بليت بها الثورة هي تنظيم القاعدة وجند الأقصى، يقتلون ويخطفون ويعذبون وينكلون ويفعلون كل ما يفعله النظام ضد الفصائل الأضعف وكل ذلك أصبح مباحاً علانيةً بعد أن خسروا حلب وأصبحوا عاطلين عن قتال النظام..


قضية الفلسطينيين وكل ما مرت به من مآسي وعلى الرغم من الدعم الدولي الكامل لدولة إسرائيل -لازلت أصر أن الأسد لم يكن ليحظى بذات الدعم لو عرفنا كيف نحاربه سياسياً- خرجت بعد عقود بحكومتين واحدة في غزة وأخرى في رفح، تعبر كل حكومة منهما عن نصف الشعب تقريباً أما في سوريا فرئيس يؤيده أقاربه وأولاد ضيعته والمستفيدون منه، وبقية الشعب جرب عشرات القادة ولم يرضى بأحدهم ولليوم الثورة السورية أو المعارضة بدون معبر حقيقي عنها والنتيجة هي إلباس المعارضة قيادات لا تعبر عنها بأي حال كمعارضة القاهرة وموسكو.
 

حتى في الموسم الماضي من أراب آيدول حين فاز المتسابق السوري باللقب لم يكن لديه علم ليحمله ولم تكن قيادات بلده بانتظاره لتهنئه، ولا حتى شعبه رضي عنه، فالبعض كرهه لأنه لم يحمل علم النظام والبعض الآخر أخذ عليه عدم رفعه علم الثورة.. المهم أننا لم نفرح حتى بفوز سوري في آراب أيدول.. ما يفرقنا اليوم أكثر مما يجمعنا بكثير، والأشياء الوحيدة التي تجمع بيننا والتي تستحضرني هي ما ورثناه من سوريا الأسد، من ذكريات طلائع البعث والشبيبة والتلفزيون السوري ودروس جولة في فكر القائد الخالد في كتاب القومية..
 

النظام السوري عمل بشكل ممنهج على ألا يكون لنا إرث مشترك سواه، ولكن ألم نكن نحن أيضاً مختلفين كثيراً والدليل كرهنا الذي طفى على السطح حين قامت الثورة وعمت الفوضى، الاتهامات التي يكيلها السوريون اليوم لبعضهم على صفحات الفيسبوك، وفي أراضي المعارك تنقط حقداً ومقتاً ومعظم سنة سوريا يظنون أن الأقليات ساقطة ومتواطئة مع الأسد، ومعظم الأقلويين عندهم فوبيا الملتحي والمتدين السني لارتباطه بذهنهم بداعش، وعلية القوم من المجتمع السني الملتصق بالأسد لمصالحه يعتقد أن سنة القرى الذين أشعلوا الثورة رعاع.
 

وأخيراً أطلعنا مثقف سوري "يساري" على روايات ترويها عجائز الريف عن طوائف سورية "باطنية" طالباً من "مثقفي" هذه الطوائف أن يردوا على هذه الإشاعات وإلا فهي صحيحة وهم طائفيون يتستروا على طوائفهم وعيوبها. خلاصة القول، الغالبية العظمى من السوريين اليوم عادوا إلى هوياتهم الأولية بعد أن كانت مقموعة لردح من الزمن، أصبح الانتماء المفضل للسوري الطائفة أو الدين أو القومية ولم يعد يهم معظم السوريين المشتركات بقدر ما يهتم كل واحد منهم بانتمائه الأولي، وبالتالي وحدة سوريا أصبحت شيء ثانوي عند كل المكونات السورية، ومن يؤمن منهم بوحدة سوريا فإنه يؤمن بأن هذه الوحدة يجب أن تكون بقيادته وصبغته وعلى مقاس طائفته.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة