رزان الزيود
رزان الزيود
7 k

طيبون

4/2/2017

متى سيتَسنَّى لهذا العالَمِ أن يعرِفَ عنّا أكثرَ مما نعرِفُ عنهُ؟ متى سيدرِكُ البعضُ أنّنا لا نقِلُّ أهميةً عن العالَمِ الآخَر؟ لا نعرفُ ما الذي يحدُثُ تحديداً بالصّومال اليوم، لكنْ بمجرّدِ أن نلفِظَ هذا الاسمِ تقفِزُ إلى أذهانِنا صوَرُ المجاعاتِ والجفافِ والحروبِ الأهليّة، لكنّي على يقينٍ أنّ في الصومالِ مصائبَ عجيبةً لا يعرِفُ عنها ولا يسمَعُ بها سوى أهلِها لأنّ إعلامَنا العربيّ والغربيّ مشغولانِ بغيرِها.
 

في السنواتِ الماضيةِ شهدَتْ عدةُ دُولٍ عربيةٍ ظواهِرَ مُجتمعيةً غريبةً كالانتحارِ الفرديّ والجماعيّ، والقتلِ، والسرقةِ، وتعاطي المخدراتِ، بسببِ سوءِ الظُّرُوف الاقتصاديةِ، وتَفشّي البطالةِ والفقرِ، والعجزِ عن إكمالِ هذه الحياةِ بصورةٍ طبيعية.
 

المستشفياتُ في بعضِ الدولِ العربيةِ ليست أفضلَ حالاً، فقد تردَّتِ الأوضاعُ الصحيةُ بشكلٍ كبيرٍ خاصةً بعد تحويلِها إلى مَكبّ نفاياتٍ للدولِ الغربيّة لترميَ فيها ما تشاءُ من صناعاتِها الرّديئة، وما علينا سوى تقديمِ الأموالِ تعبيراً عن شُكرنا.
 

أؤمنُ أنّ اللهَ خلَقنا طيّبينَ لسببٍ ما، ونشرنا في العالم لتصل طيبتنا الى كل مكان. تتعالَى الأصواتُ المؤيدةُ للمسلمينَ المستضعفين في العالَمِ، تماماً كما هي الأصواتُ المحاربةُ له.

أما عن الحُروبِ فحدّث ولا حرجَ، فنحنُ استثمارٌ ناجحٌ للولاياتِ المتّحدة الأمريكية وغيرها، فكُلّما انتُخب زعيمٌ جديدٌ يكونُ عليه أن يخترِع حرباً لاستثمارٍ أكثرَ نجاحاً من ذي قبل. وأكثرُ الاستثمارات نجاحاً كان المشروع الإسرائيليّ، لإحباطِ أي ردّ عربيّ، وتقسيمِ الوطنِ الواحد. وغيرِها من المشاريعِ المتعاقبة على مر السنين والتي تهدف إلى زرْعِ الفتَنِ الطائفيةِ والعُنصريةِ بينَ الجميع، ليتسنى لهم أن يسرِقُوا وينهَبُوا على مرأى أعينِنا.
 

طَيبّونَ نحن فسامحناهم وأصبحنا نتنافَسُ على نقلِ أخبارِهم أولاً بأوّل. ونسينا أنّنا ذو قيمة تماماً كما هُم، ولم نعُد نُحصي قتلانا أو نُشفِقُ على أحوالِنا، بل نعاتِبُ بعضَنا البعض ونحن جميعاً محاصرونَ ومقيدُو الأجسادِ والعقُول. أصبحنا نَتفنّنُ بالتغزُّل بدولٍ غربيةٍ تطالبُ بوقفِ الحروبِ التي بدأتْها. نتغنّى بقوّتِهم وديمقراطيِتهم وحريّاتِهم التي تُسقِطنا حقوقَنا ومعَ ذلكَ نُنادي بها.
 

نحن طيّبون، آمنا بصِدقَ نيَّتِهم فقد آوَوا اللاجئينَ من بلادِنا بسعةِ صدرٍ، بعد أن دمّروها وسَلَبوا أموالَنا وأَهانوا كرماتِنا.. نحنُ طيبّون رغمَ أوجاعِنا، رغمَ عِلمِنا ومعرفتِنا أنّنا منغمِسون في الضّرائب والدُّيون والفقرِ، فسامحنا حكوماتِنا وسامحناهُم. نحن طيّبون لأنّنا لا نقاوِم، لا نثور ولا نعارض.
طيّبونَ لأنّنا ننصاعُ للقوانين التي تحرمنا سبل العيش الكريم.
طيّبون لأنّنا لا نَشكو.
طيّبون لأننا ننسى.
طيّبون لأننا استبدَلنا لغتَنا بلغاتِهم بطيب نفس وخاطر.
طيبونَ نحن رغمَ أوجاعِنا واعتقالاتِنا وفقرِنا وجوعِنا وأعداد قَتلانا.
طيبون نحن.. وهم فاقُونا ذكاءً ودهاءً وخُبثاً، وها هُم يمارِسونَ ما بدؤوا بهِ على أوطانِنا ودينِنا.
 

لكنّي أؤمنُ أنّ اللهَ خلَقنا طيّبينَ لسببٍ ما، ونشرنا في العالم لتصل طيبتنا الى كل مكان. تتعالَى الأصواتُ المؤيدةُ للمسلمينَ المستضعفين في العالَمِ، تماماً كما هي الأصواتُ المحاربةُ له. تعُجُّ المطاراتُ اليوم بآلافِ المُصلّيينَ المُسلمينَ مُتلاحمِينَ بأجملِ صورةٍ. كلّ ذلك من عندِ الله، ولعله خلقَنا طيبينَ لهذه الأسباب، لتصِلَ الرسالةُ التي جاءَ بها محمّدٌ -صلى الله عليه وسلم- إلى العالَمِ أجمعَ..

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة