أحمد الزعبي
أحمد الزعبي
8.1 k

ليلة في بيت السجّان

4/2/2017
ما أقسى أن تهرب من سجنك الضيق الرطب، لتملأ رئتيك بأوكسجين الحرية كما كنت، وعندما تحمل كيس أمتعتك بحثاَ عن بيت بحجم وطن أو وطن بحجم بيت، توصد الأبواب كلها في وجهك.. وفي آخر الليل تجذبك خطوات الأسر من جديد، تأخذك حيث اعتاد الجسد الانحناء، فتطرق باب سجّانك طلباً للاستضافة!. 
 

**
في مطار نيويورك.. حملَ العربُ أكياس أمتعتهم، باحثين عن وطنٍ برتبة فندق يعاملهم كنزلاء، يدفعون فيه ثمن المبيت بأمان، ثمن الطعام، ثمن الكرامة، وثمن المعاملة باحترام، ولأن الدول العربية مثل الزنازين المتقاربة تتشابه في كل شيء بانخفاض السقف، بطول السلاسل، بسماكة القضبان.. هربوا من السجن العربي إلى بيت السجّان..

العَلَمُ الأمريكي سجن أيضاَ.. خطوطه الحمراء الأفقية التي تقطع الراية، والنافذة الزرقاء في أعلاه تشبه نافذة الزنزانة..

**
في مطار نيويورك.. يمر الوقت طويلاً، المذيعة الداخلية في المطار لا تكف عن النداءات المتكررة بكلمات متشابكة ككتلة من أسلاك شائكة، موظفو المطار متجهمون ولا يثرثرون كثيراً مثلنا، حتى هؤلاء لديهم سمة السجّان أيضا، ثم أن "انجليزيتهم" سريعة مثل طعامهم، ولا تشبه تلك اللغة التي كنا يدرسّها معلمونا؛ إنجليزية مخلوطة بالعربية المحكية.. كم أشتهي كلمة عربية واحدة في هذا المطار الغريب البارد، كما أشتهي فنجان القهوة الساخن!..

**
لماذا يدخل أصحاب البشرة البيضاء والشقراء بكل سهولة ترافقهم ابتسامة عريضة من شرطي الجوازات، بينما نحن أصحاب بشرة الحنطة مكدّسون هنا في مستودع التوقيف؟.. هل قلت حنطة؟؟ إذا سنخضع لفحص مخبري طويل، يحركون بأصابعهم صورنا على جوازات السفر بكامل العجرفة، يتأكدون من تاريخ صلاحيتنا وتاريخ أوجاعنا على (الجرين كارد).. فإذا كنا نصلح للاستهلاك الأمريكي ولا نضر بصحتهم ندخل، غير ذلك نُعاد على نفقتنا إلى بلد المنشأ مع نسخة زرقاء من قرار الرفض..
 

بالمناسبة شرطي التوقيف سجّان أيضاَ.. يمشي أمام غرفتنا في المطار بثقة وصرامة، كعب حذائه الطويل القاسي يشبه دقات الثواني، في الهجرة، حذاء الشرطي ساعة الانتظار، وحذاؤه نصف القرار، لا غرابة أن يشبه وقع أقدامه "تكات الساعة"، فمن يفقد حريته، لا يحق له أن يقرأ الوقت الا من حذاء سجّانه..

**
مطار نيويورك صحن من الأحلام تشرب منه الطائرات "القادمة والمغادرة"، نافورة سراب لكل الحالمين، لا يغرفون منها إلا الفراغ المملوء بالكفين، مطار نيويورك قفص واسع لكنه خانق.. سقف عالٍ تقطعه جسور رمادية وقضبان رفيعة، مطار نيويورك سجن مقلوب، قضبانه إلى أعلى، وسقفه باب.. حتى السماء في بلاد الهجرة موقوفة "احترازيا" مثلنا.

صدى مكبرات الصوت يرعبني في الليل الموحش، أحس أنها مقدّمة "لغوانتنامو" جديد.. علم أمريكا في كل مكان، هو نفس العَلم الذي غطى وجه التمثال وسط بغداد، هو نفس العَلم الذي كان يرفرف فوق الدبابة التي اخترقت جسر دجلة، هو نفسه المطبوع فوق الحقائب المدرسية لأطفال اللجوء السوري وقد أحنى ظهورهم وزن الكتب، غياب الوطن، ومِنّة العَلَم.. هذا العَلم الذي اجتاح واستباح وشرد وقسم الأوطان السبعة.. ها هم أبناؤها يعودون إلى مقبض السوط.. ليحظوا بغفوة الوجع الأبدي حتى نهاية العمر.. العَلَمُ الأمريكي سجن أيضاَ.. خطوطه الحمراء الأفقية التي تقطع الراية، والنافذة الزرقاء في أعلاه تشبه نافذة الزنزانة.. أما النجوم الكثيرة فهي باقة أحلام وأوهام و"نجوم الظهر" التي تصيب النزيل بالدوران..

العرب ليس لديهم أطماع في أمريكا.. منتهى طموح العربي أن يفتتح مطعماً يسميه على اسم الوطن الذي أخرج منه.. مطعم فلسطين، مطعم العراق، مطعم اليمن السعيد.

**
في مطار نيويورك.. انتصف الليل وما زال وقع حذاء الشرطي على رقعة البلاط الأملس.. يشبه صوت الدلف من بطن الخيمة المتحقن بالماء.. وعلى ذكر الخيمة أنا لم أطل اللسان معه.. سألني فور خروجي من الطائرة.. من أي البلدان أنت؟ قلت له من بلد الخيمة... قال: لا يوجد بلد يدعى بلد الخيمة.. ضحكت وقلت له: كل بلد عربي هو بلد الخيمة.. الخيمة صارت أكبر من كل البلدان يا سيدي، رايتها بيضاء تسرُّ المتآمرين، شعارها دمعة، وجواز سفرها "بطاقة مؤن من الأمم المتحدة". لم يعجبه كلامي.. فأوقفني هنا مع أشقاء اللجوء..

**
مجانين.. لماذا يمنعون العربي من الدخول إلى بلادهم..!! العربي الهارب من السلاح والسياسة في وطنه لن يمارسهما هنا قطعاً.. هنا أولى درجات الحلم العربي أن يوفقه الله ويغسل الأطباق في المطاعم، يا له من إنجاز بشري.. بعد أن كان يُقدَّم مشوياً أو مقلياً بدمه على أطباق الساسة في وطنه.. صار يغسلها في غربته..

مجانين.. لماذا أوقفونا هنا؟؟.. فالعرب ليس لديهم أطماع في أمريكا.. منتهى طموح العربي أن يفتتح مطعماً يسميه على اسم الوطن الذي أخرج منه.. مطعم فلسطين، مطعم العراق، مطعم اليمن السعيد، مطعم لبنان.. ليواسي نفسه كل صباح بأنه ذاهب إلى وطنه.. إلى "فلسطين" إلى "بغداد".. حتى روّاد هذه المطاعم هم مواطنون برتبة زبائن.. يحضرون إلى الوطن المطعم.. يجلسون ساعة أو ساعتين ثم يغادرونه إلى بيوتهم ليقولوا "كنّا اليوم في فلسطين"في "العراق" في "اليمن" كنا في "الوطن".. فمن ضرائب الهجرة الكثيرة أن يُستبدل الوطن.. بطاولة انتظار.. وكوب من الدمع الساخن..

***
في مطار نيويورك.. تتطاير أوراق الدخول مع ريح الليلة الأولى من الهجرة.. وتذوب الأحلام عل وقع أقدام الشرطي المناوب، وتذبل الأختام على الورق.. وتبقى حقيبة السفر.. الوطن الأوفى للعربي.. وطن من قماش.. يؤويه، يتوسّده، ينام على حدوده.. يحمله، عندما لا تحمله الأوطان المختطفة.. 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة