ريم كمال عبد العال
ريم كمال عبد العال
3.2 k

فتياتٌ تحت المجهر

12/3/2017
حواء، تلك الأنثى الرقيقة الحسناء، مكتملة النضوج والجمال، دائمة التسوق، الأم التي تحاول الحفاظ على عائلتها بكل ما أوتيت من قوة، حواء التي تتقبل ما يجري لها بكل الضعف والخنوع والاستسلام، دائمة الابتسام والسعادة وكأن قواعد حياتها البلهاء ترفض تقبل الحق والمنطق لتتمكن من التفكير، حواء التي يحلم بها المجتمع ويريدها، يا قوم إنه الثامن من آذار أما من تعريف آخر للمرأة في عيدها! شعلة المجتمع البراقة هذه تُخفي خلفها نفائس حقّة، تتوهج بها حياةٌ لا تعترف بكفاحهن بل بوجودهن من الأساس، فتياتٌ حالماتٌ قوياتٌ، حُلمهن طموحٌ لا ينتهي، فتياتٌ يُحاول الواقع بِكُل غروره و عنجهيته إجهاض أحلامهن.


نحن لا نُريد يومًا عالميًا يتغنى به آدم وحواء على حد سواء، سئمنا الشعارات والهاشتاكات التي تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي منذ الصباح، نحن نحتاج مجتمعًا يحترمنا، لا رسائل ومعايدات لطيفة مليئة بالرموز السعيدة والقلوب الحمراء من أصدقاء وأزواج وأشقاء في فضاء الكتروني لا يمت للواقع بصلة.


هنا فتياتٌ عربياتٌ، يحلُمن بالسفر، بإكمال دراستهن في دول الخارج، يتطلعن إلى المستقبل، فمن منا لا يحلم باستكشاف الخارج؟ هنا فتيات كبلهن المجتمع بقيوده التي لا ترحم، فتيات مثقفاتٌ متعلماتٌ عالماتٌ بتن أسيراتٍ لعادات وتقاليد مجحفة لا تسمح لهن أعرافها بسفر الفتاة إلى دول الخارج وحدها، الأمر لا يتعلق بالثقة قط، بل هي الأصول وبنات الأصول لا يفعلن ذلك في هذا المجتمع الذكوري الذي لا يعترف بالمساواة حين يتعلق الأمر بحواء.


ندوات كثيرة ومؤسسات لا تعد ولا تحصى ووزارة خاصة بشؤون المرأة وميزانيات ترصد كل عام من أجل الحفاظ على حواء نقية سليمة ومساعدتها في نيل حقوقها لا يمسها سوء، لكن ذلك لم يفلح قط، أتدرون ما هو السبب؟

حدثني عن شعورك وأنت تناضل لأجل منحة تعليمية دفعت ثمنها غاليًا فلم تألُ لأجل الحصول عليها مثابرًة ولا جهدًا، حتى نلتها بشرف، ثم تبقى كما أنت لا تبرحُ مكانك غارقًا في الوحل وحدك بلا عمل ولا أمل بطوق للنجاة حتى، بالطبع لن يشعر بذلك الشعور سوى فتاة متعثرة الحظ لم يشفع لها تفوقها ولا ذكائها بالسفر وحدها.


هنا فتياتُ يرفض المجتمع الحديث عنهن إلا في إطار واحد مختلف ومتخلف في آن واحد، فتيات مثقفات لهن بصمتهن وحضورهن فكريا وعلميا، سواء كن طبيبات أو معلمات أو مهندسات أو غير ذلك، فتيات أرهقتهن المثالية التي تربين عليها فلم تبين الحياة نقائهن في عالم يكدر صفاءه نفاق طاغٍ يتغنى بالخير ولا يعترف به، لا يسوده سوى المظاهر الخادعة، فيطلق عليهن لفظ المعقدات، فكيف لا تكون حواء معقدة حين تقضي وقتها بين الكتب، غبية حين ترفض شابا لا تراه مناسبا، متزمتة حين لا تضع الزينة على وجهها ولا ترتدي ملابسا فاضحة في الأعراس والمناسبات، معقدة حين لا تشارك في جلسات النميمة التي يعقدنها أقرانها، حين لا تتملكها الغيرة من فتاة تصغرها تتزوج قبلها، متفلسفة حين تحاول أن تنأى بنفسها عن عادات مجتمع لا يرحم ثقافتها وشخصيتها.


وهناك فتيات مطلقات حجب المجتمع بصيص النور من الوصول إلى أعينهن، فصارت أحلامهن أشبه بالسراب، وكأن الطلاق عار لحق بهن، فها هي حواء ناقصة العقل والدين يتركها زوجها في بيت أهلها ثم يغادر وكأن شيئا لم يكن! لتبدأ الألسنة بالتطاول عليها، والعقول بالتحليل والتفسير لما جرى وما سيجري، والمحاكم تباشر عملها في قضايا النفقة والأطفال لتقرير مصير ضياعهم ترى أين يكون؟ وكأنها دمية تتقاذفها الألسن بلا رحمة، من نحن لنحكم عليها أو لنقرر مصيرها؟


ندوات كثيرة ومؤسسات لا تعد ولا تحصى ووزارة خاصة بشؤون المرأة وميزانيات ترصد كل عام من أجل الحفاظ على حواء نقية سليمة ومساعدتها في نيل حقوقها لا يمسها سوء، لكن ذلك لم يفلح قط، أتدرون ما هو السبب؟ بالطبع ليس آدم بل هي حواء، حواء الظالمة المظلومة، حواء الجانية والمجني عليها، حواء الزوجة، بل حواء الابنة والخالة والعمة والجدة والأخت والجارة، كل حواء هي نصف للمجتمع بل هي كله تلد نصفه وتربي النصف الآخر، التغيير لا يكون إلا من حواء نفسها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة