بيسان الشيخ
بيسان الشيخ
895

دمشق وبيروت وإسطنبول.. نحن لقطاء المدن

16/3/2017

كنا قد انتهينا للتو من زيارة للحمام التركي في اسطنبول ورحنا نمشي صعوداً نحو شارع الاستقلال محاولين إيجاد مقهى نجلس فيه وسط الاكتظاظ. كان يوماً مشمساً ودافئاً على غير العادة في هذا الفصل من العام، وإسطنبول قد فرشت فتنتها على الأرصفة والطرقات بلا أي ورع. بسطات زهور وعصائر وفواكة، ومارة سعداء بالتخفف من ثقل الألبسة الشتوية اجتاحوا الأزقة والأرصفة والمحال التجارية كمن يخرج إلى الحرية بعد طول انحباس.

 

سألت علا عرضاً إن كانت تشعر أن إسطنبول قد تكون مدينتها. تغيرت ملامح صديقتي فجأة وعقدت حاجبين صغيرين وقالت بحزم: لا. دمشق مدينتي. وأشاحت بوجهها نحو واجهة متجر

في ذلك اليوم قررنا أنا وعلا أن الحياة يمكن أن تكون جميلة. وأن بعض المسرات الصغيرة كهذه النزهات وصداقتنا المستجدة، هي أحد سبلنا إليها. وعليه مشينا صعوداً من برج غالاتا في الحارات الضيقة حيث متاجر الخزف والتذكارات التي رحنا نتوقف أمامها ثم نعزف عن الشراء لأننا لسنا سياحاً وبتنا نعرف أين نبتاع تلك الأغراض التي لا أسم لها ولا وظيفة، بأسعار أفضل. ثم حين ضعفت إرادتي أمام "حرتوقة" صغيرة، واسيت نفسي بالقول إنني عملياً غريبة، ولا يزال متاحاً لي التصرف كسائحة بين الحين والآخر.

 

وفيما نحن على هذه الحال من الاسترخاء والاحتفاء، والتأرجح بين حالة الغرباء وحالة المقيمين من "ولاد البلد"، سألت علا عرضاً إن كانت تشعر أن اسطنبول قد تكون مدينتها. تغيرت ملامح صديقتي فجأة وعقدت حاجبين صغيرين وقالت بحزم: لا. دمشق مدينتي. وأشاحت بوجهها نحو واجهة متجر، ثم التفتت مستدركة "ربما مع الوقت... لكن ليس قبل أن أرى دمشق". عاتبت نفسي لأني افترضت لبرهة إن اسطنبول قد تكون لعلا، مثلما هي لي الآن. مدينة مختارة لا قضاء وقدر. مكان جميل ورحب، قابل للحياة والتطلع للمستقبل، والأهم ربما إنه لشخص مثلي، مكان أملك أن أنفصل عن أزماته.

 

ولكن قبل أن أوضح وجهة نظري سألتني: وأنت؟ قلت بقناعة أيضاً، نعم. أشعر إنها بالفعل أصبحت مدينتي. وأن كل يوم يرسخ ذلك الشعور في داخلي أكثر. ثم استدركت أيضاً بشيء من الاعتذار: لكن بيروت متاحة لي، أزورها حين أشاء.. وهذا فارق كبير يا علا. وبالفعل، أنا لست مضطرة لاستبدال مدينة بأخرى في وجداني، لأن أحداهما فرضت علي فرضاً فيما الأخرى، الأولى، مدينتي الحقيقة، مسلوبة مني ومحرمة علي. أنا، قدمت إلى هنا قبل أقل من عام، أملك ترف أن أتسرع في حب إسطنبول وأعلنها مدينتي، من دون أن يعني ذلك تخلياً تاماً عن بيروت. فيما علا، التي سبقتني بأكثر من ثلاث سنوات لا تزال مضطرة لأن تمنح الوقت وقته.

 

أدرك إن مشاعري تلك على درجة من التسرع والادعاء. فأنا لا أعلم، وقد لا أعلم أبداً إن كانت اسطنبول ستبادلني بعضاً من ذلك الحب أو إذا كانت ستجعلني يوماً ابنة لها وإن كلقيطة بين لقطائها الكثيرين. فأنا، إذ اتخذت قراراي ببناء حياة فيها، حملت أمتعتي وجئت بلا استئذان. لكنها فلم تصدني، حتى عندما ضاقت بيروت نفسها علي وعلى من أحب، وكان ذلك يكفيني.

 

لا بأس، يا علا، لا بأس. سأقبل أن تمنحي الوقت مزيداً من الوقت، وأن تحذفي مدينتي من سجلاتك.. ولكن فيما أنت تكابدين الشوق إلى دمشق، أرجوك أن تحفظي عنوان بيتي في إسطنبول

وأنا أعلم يقيناً أنني هنا غريبة، عابرة بين ملايين العابرين، أكابد اللغة والـ "سيستم"، لا أملك حتى أن أتلاسن مع سائق سيارة أجرة أعطاني نقوداً مزورة. حين حدث ذلك، شعرت فجأة إن الغربة هي ببساطة العجز عن إطلاق لسان سليط حين تلح الرغبة. ورحت أحسب كم مستوى لغوياً علي أن أجتاز بعد لأنعم بترف إطلاق غضبي

. مر وقت طويل لم أستخدم فيه سيارات الأجرة المشتركة (السرفيس) في بيروت، وأتابع اليوم بشكل حثيث كتابات الأصدقاء الفايسبوكيين عن مغامراتهم اليومية مع السائقين. غالبيتهم يؤثرون الصمت ولا يجيبونهم، فأشعر برغبة عارمة بأن أحثهم على الإجابة طالما يملكون القدرة. فليس أصعب من أن تكون شخصاً بالغاً، بقاموس لغوي طفولي لا يسعفك في التعبير. وهو ما لا نقدر أهميته في مدن نرحل إليها ونتقن لغتها، ونعرف ثقافتها، ونستمع إلى موسيقاها ونقرأ صحفها، وقد تصبح مدننا أو لا تصبح. أما هنا، فذلك كله يتلاشى حين تقرر إسطنبول ضمك إليها وصهرك بين ملايينها ذات يوم مشمس.

 

تحدثني علا أحياناً، وباقتضاب شديد عن بيتها وعملها السابق في دمشق، ثم تشيح بنظرها تماماً كما فعلت يوم سألتها عن اسطنبول. فلا ألح. أكتفي بذلك القليل الذي سقط منها سهواً. وإذ نحاول في كل مرة استذكار سهرة جمعتنا في بيروت، تنفي علا أي لقاء سابق لنا، فأروح أؤكد في المقابل أني لا أنسى الوجوه ولا شعرها الأشعث. ثم تقول إنه كان وقتاً سيئاً جداً ذلك الذي قضته في بيروت، ولعلها محته من ذاكرتها جملة وتفصيلا. هكذا، أعادت كلا منا تشكيل ذاكرتها عن الأخرى بحسب مدينة اللقاء وظروفه وما حملته لنا من انطباعات أولى وإحباطات لاحقة.

لكن، أليس ذلك تحديداً ما تفعله الأماكن فينا؟ تقولبنا ونقولبها، حتى لنظن أحياناً إن هوامشنا الضيقة تختصر مدينة، لا بل بلداً كاملاً؟ لكن لا بأس، يا علا، لا بأس. سأقبل أن تمنحي الوقت مزيداً من الوقت، وأن تحذفي مدينتي من سجلاتك.. ولكن فيما أنت تكابدين الشوق إلى دمشق، أرجوك أن تحفظي عنوان بيتي في اسطنبول.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة