سامي الحاج
سامي الحاج
2.3 k

"غوانتنامو قصَتي".. ضروب من التعذيب

16/3/2017

كانوا جاهزين لضرب كل من يسقط أثناء عملية سحب الحبال التي يقومون بها، وكلما تأخر واحد منا كان الشد يزداد على يديه، فقد ربطوا الحبل بطريقة مرنة تسمح بازدياد الضغط على المعصمين كلما توقف أحدنا. لم يكن أحدنا يدري ممَّ يرتجف، أمن شدة البرد أم هول الخوف؟ كانت أصوات الكلاب، وصياح الجنود، وأنات الآلام التي تتصاعد من صدور المعتقلين تختلط في ذلك الليل البهيم، مُحدثةً سيمفونية رهيبة لا يعلم إلا الله أثرها في النفوس وتحريكها للأشجان والأحزان وما تبعثه من خوف وقلق وشعور بالمذلة والمهانة.
 

كنت أصيح بين الفينة والأخرى من شدة ألم تمزق رباط الركبة، ومع كل صرخة يضربني أحد الجنود إلى أن سقطت من الإعياء والبرد والألم، فأخذوني وسحبوني لأني لم أكن أستطيع المشي.

بعد أن سِـرْنا على هذا النحو مئات الأمتار، توقفت تلك القافلة العجيبة، وأمرونا بالجلوس على ركبنا، وأنظارنا تتجه إلى الأرض، ثم بدؤوا يقتادوننا واحداً واحداً، أعيننا معصوبة، ورؤوسنا محاطة بالغطاء الأسود، وكانوا يدخلون الشخص منا إلى عنبر كبير، وكان الخيال يسرح فيما تغذيه به تلك الوقائع، كنا نحسب أن من يأخذونه إلى ذلك العنبر يصب عليه الماء البارد، أو يضرب بالسياط، أو تطلق عليه النار، أو تتناهشه الكلاب، أو غير ذلك من صور خيال لم تشتطَّ عن الواقع المعيش بعيداً، فكل هذه الضروب من التعذيب مورست فعلياً.
 

بقيتُ على هذا الوضع، وكنت أصيح بين الفينة والأخرى من شدة ألم تمزق رباط الركبة، ومع كل صرخة يضربني أحد الجنود إلى أن سقطت من الإعياء والبرد والألم، فأخذوني وسحبوني لأني لم أكن أستطيع المشي. سحبوني بقوة ورفسوني بأحذيتهم الخشنة الثقيلة، وواصلوا سحبي حتى أدخلوني إلى غرفة، ثم نزعوا عني الكيس الذي كانوا يغطون به وجهي ورأسي، فوجدت نفسي وسط مجموعة من الجنود يشهرون أسلحتهم في غرفة مضاءة إضاءة قوية.

كان الضوء مسلطاً على عيني تماماً، وكان الجنود يحيطون بي من كل جانب، وكان أمامي أحدهم وهو يقول لي: لا تتحرك ولا تفعل أي شيء، عليك أن تنصاع لأوامرنا، وأي حركة منك ستعقبها طلقة رصاص تستقر في دماغك. كان الجنود من حوله يرفعون عصيهم، ويشهرون بنادقهم ومسدساتهم. وبعد رفع الغطاء، وقطع الحبل المحيط بمعصمي، وحالما تمكنت من تحريك يدي، طلبوا مني خلع ملابسي.
 

بدأت خلع ملابسي ببطء، كنت أرتجف من البرد وكنت أتمايل من الوهن والإرهاق، فكانوا يتصايحون مع كل ميلة. خلعتُ أولاً اللبس الأزرق الذي ألبسوني إياه قبل الصعود للطائرة من باكستان، وكان قطعة واحدة مثل ثياب الميكانيكيين. ثم طلبوا مني خلع ملابسي الأخرى "البنطلون والقميص". وكنت أرتدي تحت هذا البنطلون والقميص ملابس داخلية طويلة وقاية من البرد، فطلبوا مني خلعها، ووقفت حائراً متردداً فتصايحوا إن لم تفعل أطلقنا عليك الرصاص. فخلعت القميص واستبقيت السروال وكانوا يتصايحون وأنا في ذهول ويداي متشبثتان بالبنطلون أرفض خلعه، وأتلفت يميناً ويساراً فلا أرى سوى أسلحة تشهر وأفواه تصرخ ووجوه تقاسيمها تخويف وإفزاع.
 

تقدم نحوي الجندي الذي يقف قبالتي تماماً وهو يسحب أمان رشاشه وطلب مني أن أخلع السروال الطويل، وبدأ بتحريك الكلب الذي كان ينبح بصوت عال. فخلعت السروال الطويل، ثم طلب مني أن أنظر أمامي ولا ألتفت إلى الوراء. كنت في ذهول تام، أشعر بألم ما فوقه ألم، ولا أدري هل هو ألم المرض أم ألم الأسر أم ألم القهر والإهانة التي كنت أشعر بها من إكراهي على خلع ملابسي أمام هؤلاء الأوغاد مع كلابهم ومجنداتهم. وأحياناً تنتابني موجة ذهول تخفف ألم البدن ولكنها تعمق جراح النفس، وذلك مصاب ما فوقه مصاب.
 

قال: أنت صورت أسامة بن لادن؟ قلت له: لا، لم أصور ابن لادن. قال: لا، بل أنت صورت ابن لادن. قلت: لا، لم أصور ابن لادن، إنما أنا صحفي حضرت لتغطية الحرب فقط. قال لي: لا تنكر فلن يفيدك الإنكار، وإذا أنكرت فستتعرض للضرب والإهانة وستُعرَّى من ملابسك

إنني أدين بدين يستحي معتنقوه من التجرد جهاراً أمام الزوجات، فكيف بالنساء الأخريات؟! لم يخطر في بالي قطُّ أن يصل التعذيب إلى هذا الحد، ولم أكن البتة أستبعد أي نمط من أنماط التعذيب النفسي والبدني، ولكن هذه الحالة لم تخطر لي على بال، ولم أتخيل أن ينزل الإنسان إلى هذا الدرك من البشاعة، واحتقار إنسانية الإنسان. كان الصياح والنباح وأصوات قعقعة السلاح وقعقعة المدافع والبرد القارس والإضاءة الساطعة وتداخل وجوه المجندين والمجندات والكلاب في تلك اللحظة من الليل... كلّها تُشكّل صورةً من صور تهاوي الإنسانية في حضيض سحيق من الدناءة والرذالة.
 

بعد هنيهة رمى لي أحدهم ملابسي، ووقفت متصلباً مذهولاً، لا أدري ما أفعل، ولا أستطيع حراكاً، فهَمُّوا بإطلاق الكلب نحوي. وفجأة تداركت الموقف وعُدتُ إلى رشدي، فقفزت إلى ملابسي وسترت عورتي، وعندما لبست القميص لم أستطع أن أشد الأزرار فقد تصلّبتْ أصابعي من شدة البرد. تقدم نحوي جنديان وقيَّدا يدي من الخلف، ودفعاني إلى غرفة أخرى وجدت فيها شخصين يقفان خلف طاولة. وقفت أمامهما، ثم حضر جنودق آخرون اصطفوا صفين عن يميني وعن شمالي، وأنا أقف في الوسط وجنديان يمسكان بيدي.

 

كان أحد الجنديين الواقفين أمامي خلف طاولة يتكلم العربية بلهجة من لهجات شمال إفريقيا. بادرني ذلك الجندي متحدثاً باللغة العربية: ما اسمك؟ فقلت: اسمي سامي محيي الدين محمد الحاج. وما جنسيتك؟ قلت: سوداني. قال: أنت صورت أسامة بن لادن؟ قلت له: لا، لم أصور ابن لادن. قال: لا، بل أنت صورت ابن لادن. قلت: لا، لم أصور ابن لادن، إنما أنا صحفي حضرت لتغطية الحرب فقط. قال لي: لا تنكر فلن يفيدك الإنكار، وإذا أنكرت فستتعرض للضرب والإهانة وستُعرَّى من ملابسك، وقد تفقد حياتك هنا، هنا ليس أمامك إلا أن تجيب دائماً بالإيجاب. فكررت إجابتي بعد إلحاحه، فقال: لا تتفلسف كثيراً، اصمت ولا تجب إلا عندما نسألك.
 

واستطرد يسأل: كم معك من المال؟ وما الأشياء التي بحوزتك؟ أجبت بأن معي بعض الدولارات، والعملة الباكستانية، والدراهم الإماراتية، والريالات القطرية، ومعي جواز سفري، وتذكرة سفر وبطاقتي الصحفية، ومعي راديو صغير وكاميرا تصوير ومعداتها، وساعة يد ونظارة ودواء.. فقال: اصمت. دوَّن إجاباتي في محضر، وأمر الجنود بأخذي خارج الغرفة، فسحبوني إلى العنبر. كان عبارة عن عنبر قديم لصيانة الطائرات، أرضه من البلاط وقد وضعت فيه أقفاص كبيرة حُددت بأسلاك شائكة. فُتح الباب وأدخلت فوجدت أناساً نائمين. سُلمت لي بطانيتان قيل لي إن إحداهما فراش، والأخرى دثار، وهما لا تنفعان في ذلك الجو البارد لا فراشاً ولا دثاراً، ولكنني من شدة التعب والإرهاق والنعاس افترشت إحداهما، والتحفت الثانية، وسبحت في نوم عميق لم يقطعه منتصفَ نهار الغد إلا صياحُ الجنود برقمي حيث كنت أعطيت الرقم 35.

 

كانت الكلاب تنبح، والجنود ينادون: اصحُ يا 35، تحرك يا 35. كنت مثل جثة هامدة تغط في نوم عميق. استيقظت فَـزِعاً، فرأيت أحد الجنود وهو يناديني من خارج السياج. كان بقية المجموعة من الأسرى جلوساً أمام وجبات غذائية من الطعام المعلب، لا يتعدى وزن الوجبة الواحدة مئتي غرام. رمى إليَّ ذلك الجندي بواحدة من تلك الوجبات في كيس بلاستيك وأتبعها بملعقة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة