سامي الحاج
سامي الحاج
1.6 k

"غوانتنامو قصَتي".. آخر عهد لنا بباكستان

2/3/2017

كنت أرتدي بنطلون جينز وقميصًا، وكانت ملامحي سمراء ورأسي حليقًا، ما أعطى انطباعًا بأنني غير عربي، أو أنني من الأميركيين السود، فقالوا لي لاحقًا بعد التوثق مني: ظننَّاك أميركيّا جئت لتتسلَّمنا، فقد قُبض علينا في الحدود الباكستانية، واعتُقلْنا في مبنى الاستخبارات. ثم تبين أن الرجال الخمسة سعوديون هم عبد الله الشرقي والكربي وثلاثة آخرون لا أذكر أسماءهم الآن، ولكن تعارفنا فيما بعد.

 

تحركت بنا الحافلة نحو الساعة الثامنة صباحًا، ووصلنا إلى كويتا عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا. وخلال الرحلة حاولت أن أثبت لهؤلاء الإخوة أنني سوداني، وأنني أعمل في قناة الجزيرة مصورًا، وتم توقيفي، ولكنهم رفضوا التجاوب معي. كنت أحدثهم عما أسمعه من أخبار في الراديو، ومنها أن لدى الأميركيين سجنًا في منطقة قندهار، وأنهم سيأخذون العرب المعتقلين إلى كوبا.

 

عندما دخلنا كويتا، وكان معي كتاب الأذكار للإمام النووي، قلتُ لهم: قولوا ذكر دخول المدينة، واسألوا الله أن يكفينا شر هؤلاء الناس، وأخبرتهم بأن ضباط الاستخبارات الباكستانيين أبلغوني بأنني سأُسلَّم إلى حكومة السودان. بعد هذا الحديث المستفيض اطمأنوا إليَّ، وأبلغوني أنهم سعوديون، وطلبوا مني إبلاغ السفارة السعودية بوضعيتهم.

 

ذهبنا إلى مبنى الاستخبارات في كويتا، وعندما دخلنا المبنى غطَّوا وجوه السعوديين الخمسة، واستثنوني من هذا الإجراء، فلم يغطوا وجهي. دخلنا إلى مبنى الاستخبارات، ولاحظت أنه كان خلف مبنى الفندق الذي كنا ننزل فيه في كويتا. توقفت السيارة مدَّة نصف ساعة، قبل أن تتحرك ومعها سيارات الشرطة. ولكن الضابط أفتاب وزميله الأفغاني انفصلا عن موكبنا، فلم نرهما منذ دخلنا إلى كويتا.

 

وصلنا إلى سجن عسكري في كويتا، وهناك أنزلوا السعوديين الخمسة، وأبقوني في السيارة بدعوى أنهم سيأخذونني إلى المطار للسفر إلى بلدي. دخلوا بالسعوديين الخمسة إلى السجن، وبعد نصف ساعة تقريبًا جاؤوني، وطلبوا مني النزول معهم بزعم أنني سأبقى هناك ساعات حتى يحين وقت الطائرة ليأخذوني إلى المطار. كان ذلك في السابع من يناير/كانون الثاني 2002، وكنا جميعًا صائمين. أحضروا لنا طعام الغداء فادَّخرناه للإفطار عندما تغرب الشمس، وبعدما أفطرنا، وضعوني في زنزانة انفرادية، بينما وضعوا كل اثنين من السعوديين في زنزانة.

 

العربيان اللذان أعطاني ضابط الحدود اسميهما من قبل وجدتهما هناك، وتعرَّفت إليهما بمجرد أن ذَكَرا اسميهما، وقالا إنهما من منطقة الجوف، ويعملان مدرسيْن هناك، وإنهما قدما لتوزيع مساعدات على مخيمات الأفغان، وبعد اكتمال مهمتهما اعتُقلا على الحدود الباكستانية عند عودتهما من أفغانستان، وهما في هذا السجن منذ شهر، وقد قابلا محققين أميركيين، فأخبرتهما بأنني سلَّمت اسميهما للسفارة السعودية.

 

كانت الرحلة شاقة لكويتا، وبعد المغرب شعرت بإرهاق، فجمعت صلاتي المغرب والعشاء، وأدرت مؤشر الراديو واستمعت لبعض الأخبار ثم أغلقته.

كنت خلال المشي أتكلم مع الجنود الذين جاؤوا معنا من شمن وأسألهم: ما القصة؟ لماذا تبيعوننا للأمريكيين؟ فكانوا يقولون لنا: نحن مُجْـبَـرُون... ويتعللون بأسباب واهية وبأنهم إنما ينفذون الأوامر فقط. قلت: لن نسامحكم عند الله عز وجل، وسنأخذ منكم حقنا هناك

عندما تهيأتُ للنوم سمعت حركة قريبة مني، فُتح باب الزنزانة، وأعطاني القادم ملابس عبارة عن قميص وبنطلون من قطعة واحدة، وكان القميص أزرق اللون. وقال: ارتدِ هذه حتى نأخذك إلى المطار، فتعجبت وقلت له: أنا سأرتدي ملابسي الخاصة. قال بلهجة آمرة: لا تتكلم كثيراً، اِلبس هذه. لبست تلك الملابس فوق ملابسي السابقة، ورتبت حقيبتي، ثم جاء آخر وفتح الزنزانة وكان يحمل معه قيوداً، وقال لي: سنأخذك للأمريكيين حتى يعدموك. قلت له: ألم تقولوا إنكم ستسلمونني إلى بلدي؟ قال: لا، سنسلمك للأمريكيين حتى يقتلوك. قلت له: لا إشكال، أنا لا أهاب الموت فالموت هين، وليس نهاية الحياة، فهناك حياة أخرى وحساب وعقاب، ورب عادل لا تضيع عنده الحقوق. قال لي: بلا شك، الموت ليس نهاية الحياة، ولكن الأمريكيين سيعدمونك. كان باكستانياً وكان يتكلم معي بالإنجليزية. وضع القيود في يدي ورجلي ثم أخذوا حقيبتي ووضعوني في السيارة، ووجدت الآخرين أمامي في الحافلة نفسها.

 

كنت خلال المشي أتكلم مع الجنود الذين جاؤوا معنا من شمن وأسألهم: ما القصة؟ لماذا تبيعوننا للأمريكيين؟ فكانوا يقولون لنا: نحن مُجْـبَـرُون... ويتعللون بأسباب واهية وبأنهم إنما ينفذون الأوامر فقط. قلت: لن نسامحكم عند الله عز وجل، وسنأخذ منكم حقنا هناك. كان راديو السيارة مفتوحاً، وكنا نسمع الأخبار في حدود الساعة العاشرة والنصف. كان الإخوة السعوديون يتوقعون أن يؤخذوا إلى السفارة السعودية، فكنت أقول لهم: إنني أتابع الأخبار، فالأمريكيون سيتسلموننا ويذهبون بنا إلى منطقة اسمها قندهار، وهناك سجن في المطار يجمعون فيه المعتقلين العرب ومن ثم يرسلونهم إلى كوبا. وظلوا على أملهم، ولكنني نبهتهم إلى أنني سافرت من هذا المطار مرتين، وأنه لا توجد رحلات جوية لإسلام أباد إلا صباحاً. وبالفعل، بينما كنا نتجاذب أطراف الحديث، رأينا حافلة أخرى جاءت ووقفت على مقربة منا، وكنا في السيارة أنا والسعوديون الخمسة القادمون من كويتا، ستة، ومعنا سعوديان، فالمجموع سبعة سعوديين وأنا ثامنهم. وكانت هذه آخر مرة نرى فيها الجنود الباكستانيين وآخر عهد لنا بباكستان.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة