محمد حجاج
محمد حجاج
4.2 k

ما هو الأسلوب الأمثل لتعلم لُغة جديدة؟

20/3/2017

لنعُد للأصول الأولى المُرتبطة بالتعلم بصفة عامة.
 

هُناك أسلوبان أساسيان يتعلم البشر من خلاليهما:

1- التقليد والمُحاكاة: وهو أسهل وأكثر أساليب التعلم بدائية، ولذا فهو مُستخدم حتى من قبل غير البشر. هُنا يتم التعلم بصورة ضمنية بدون شرح أو فهم صريح للمفاهيم أو البنية المنطقية لما يتم تعلمه. يعتمد نجاح هذا الأسلوب على الانغماس والتكرار، ولهذا السبب فهو يتطلب وقتًا طويلًا، وإن كان لا يتطلب بذل الكثير من المجهود لأن التعلم يحدث بصُورة غير واعية. الطريقة التي نكتسب بها لغتنا الأولى كأطفال تتبع هذا الأسلوب. 

 

2- الدراسة: وهو أكثر أساليب التعلُّم تعقيدًا ولا يُمكن لغير البشر القيام به، وذلك لأنه يعتمد على التعمُّق في جذور الأشياء وبنيتها المنطقية المجردة، ويتطلب فهمًا لعملها على عدة مستويات. هُنا يتم التعلُم بصورة صريحة عن طريق الامتصاص العقلي لمفاهيم وآليات العمل. العُنصر الأساسي الذي يعتمد عليه نجاح هذا الأسلوب هو المجهود العقلي المبذُول في استيعاب "الكثير من التفاصيل"، وبصفة عامة تتم عملية التعلُّم عن طريق هذا الأسلوب في وقت أقصر كثيرًا من التعلم عن طريق المُحاكاة. المواد الأكاديمية بصفة عامة تُدّرس بهذه الطريقة.

 

وهذا يعني أنه بإمكاننا اختزال جوهر التعلم في المُعادلة التالية: التعلم = وقت + مجهود عقلي. بما أننا نتحدث عن "مُعادلة"، فهذا يعني اتزان الأطراف، ولهذا فالعلاقة بين الوقت المُستغرق والمجهود العقلي المبذول في أي إطار تعلم هي علاقة عكسية. بعبارة أخرى، بذل مجهود أكثر يعني إتمام التعلم في وقت أقل، وإتاحة وقت أطول للتعلم يعني حاجة أقل لبذل مجهود.

 

أسلوب التعلم الأمثل - أي ذلك الذي يُحقق أعلى كفاءة ممُكنة في أقصر وقت ممُكن- هو ذلك الذي يُخصص مساحة كبيرة للدراسة بتعمق شديد مع تخصيص مساحة صغيرة للمُحاكاة من أجل صقل وتثبيت ما تم تعلمه عن طريق الدراسة

اللغات هي في النهاية علم، ولهذا فكل أساليب تدريس اللغات التي ستُقابلها يُمكن اختزالها في النهاية لأحد أو خليط من هذين الأسلوبين. كما هو الحال مع أي شيء، دائمًا ستجد من يتطرف تجاه إحدى النهايتين: ستجد أن الأسلوب التقليدي لتدريس اللغات يختزل الأمر برمته في حفظ الكلمات وتعلم القواعد، وستجد على الجانب الآخر من يُقسم لك أن أسلوب المُحاكاة هو الأسلوب الصحيح الوحيد للتعلم لتُصبح مثل "الأجانب"، وأنه ليس عليك دراسة أي شيء على الإطلاق.

 

من المؤكد أن خليط من هذين الأسلوبين هو الخيار الأفضل، ولكن بأي نسبة؟

الأمر يعتمد على قدراتك واحتياجاتك. هل تكره بذل مجهود في التعلم بصفة عامة، أم أنك تستمع بالأمر ولا تهدأ إلى أن تصل إلى قعر الأشياء؟ هل أنت على وشك السفر إلى بلد جديد خلال أشهر وترغب في تعلم لغتها، أم أن لديك كُل الوقت الذي تُريده للتعلم؟

 

من وجهة نظري، أسلوب التعلم الأمثل - أي ذلك الذي يُحقق أعلى كفاءة ممُكنة في أقصر وقت ممُكن- هو ذلك الذي يُخصص مساحة كبيرة للدراسة بتعمق شديد -خطين تحت تعمق شديد- مع تخصيص مساحة صغيرة للمُحاكاة من أجل صقل وتثبيت ما تم تعلمه عن طريق الدراسة. كنسبة مئوية، فالدراسة ستُمثل 70% والمُحاكاة ستُمثل 30%. لا أعلم عن أي نظام شائع لتعلم اللغات يعمل بهذه الطريقة، ولكنني أستخدمه شخصيًا منذ فترة طويلة، ويبدو لي أنه يعمل بصُورة مثالية.

 

أعتقد أنني بحاجة لبعض التفصيل بشأن مُستوى التعمق الذي أقصده. التعمق الذي أتحدث عنه لا يعني حفظ الكلمات وتعلم القواعد فحسب، وإنما دراسة اللُغة على مُستوي يُماثل الدراسة الأكاديمية لعلوم اللُغويات. ما أقصده هُنا هو أن تقرأ "أبحاثًا أكاديمية" في اللُغة التي تدرسها. أحد الفوائد المركزية لهذا الأمر هو تطوير الحس اللغوي لديك في وقت قصير جدًا، وذلك لأن الأبحاث الأكاديمية تُناقش مفاهيمًا لغوية تتخطى القواعد، ويصعب على الشخص العادي التعبير عنها بالكلمات.

 

لأننا نتعلم لُغتنا الأولى عن طريق المُحاكاة، فنحنُ في حقيقة الأمر لا نفهمها بشكل كامل، وهو أمر قد يدعو للدهشة. المُحاكاة تعمل عن طريق ترسيب البنية المنطقية والمفاهيم الأساسية للُغة ببطء عبر فترة طويلة من الزمن، ولأن هذا الأمر يحدث بصُورة غير واعية، فمن الطبيعي أن نجد صعوبة بالغة في التحدث عنه. هذا هو السبب في أنه بإمكاننا على الفور تمييز مواضع "الغرابة" في حديث شخص لا يتحدث لُغتنا الأولى -حتى وإن كان يتحدث بلهجة مثالية ويستخدم القواعد بصُورة صحيحة- ولكن على الرغم من ذلك نعجز عن شرح وتفسير السبب. كل ما في الأمر هو أننا "نشعر" أنه يتحدث بغرابة.

 

جانب المُحاكاة من دراستك سيتمثل في تدريب لسانك على تقليد هذه الأصوات، وتدريب أذنك على التفريق بين هذه الأصوات، وتدريب عقلك على الانتقال من الأفكار للنطق بصورة أسرع

بدون تحويل هذا الشعور إلى كلمات واضحة، لن يتمكن هذا الشخص أبدًا من استيعاب الأمر، وبالتالي لن يتمكن أبدًا من إتقان لغتنا. هذه هي نفس الصعُوبة التي تواجهنا عندما نتعلم لُغة أجديدة -عجز المُتحدثين الأصليين عن تفسير كُل شيء بخصوص طريقة عمل لُغتهم. لحُسن الحظ، قراءة الأبحاث الأكاديمية تحل هذه المُشكلة.

 

فائدة أخرى لدراسة اللُغة بهذا العُمق هو أنك ستتعلم أن أشياء مثل "النُطق" هي في حد ذاتها علم، وليست مُجرد تقليد لحركة الفم. ستتعلم أن هُناك تصنيفات صوتية للُغات، وكيف أن تغيير طبقة الصوت قد يُستخدم في توليد معان جديدة. ستتعلم عن المقاطع الصوتية التي تتكون منها الأصوات في لُغة مُعينة، وستتعلم طريقة توليدها، وستتعلم كيفية ربطها ببعضها البعض في معزوفة واحدة نُطلق عليها "التحدث".

 

جانب المُحاكاة من دراستك سيتمثل في تدريب لسانك على تقليد هذه الأصوات، وتدريب أذنك على التفريق بين هذه الأصوات، وتدريب عقلك على الانتقال من الأفكار للنطق بصورة أسرع، وعلى التفكير باستخدام اللغة التي تتعلمها بشكل مُباشر بدون الحاجة للمرور بلُغتك الأم والترجمة منها. أعلم أن هذا الأسلوب يبدو مُجهدًا بصورة كبيرة، وهو كذلك بالفعل، ولكن عوائده تتخطى أضعاف المجهود المبذول.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة