سامي الحاج
سامي الحاج
5.8 k

"غوانتنامو قصَتي".. الرقم 35

23/3/2017

عاودني الذهول فأخذت أتلفّت يميناً وشمالاً، لا أدري أين أنا، ولا كيف وصلت، ولا المكان الذي أجلس فيه، ولا الأحداث التي تدور حولي. عاد بي شريط الذاكرة إلى أحداث يوم أمس، فاستعرضتها سريعاً، ومرت متداخلة من دون تركيز وأنا في ذهول لم يقطعه إلا صياحُ الجندي يطلب استعادة الصحون، والمتبقي من الوجبات. قلت له: إنني لم آكل بعد، فصرخ في وجهي أن أعطيه الوجبة كلها. أعدتها إليه ولم أسلّمه الملعقة التي كانت مرمية أمامي دون انتباه، فطلبها هي الأخرى.

 

تفحصت المكان، وتلفت ذات اليمين وذات الشِّمال، فرأيت مجموعة من المعتقلين. كان المكان كما أسلفت، عبارة عن عنبر كبير لصيانة الطائرات في قاعدة باغرام الجوية، ويبدو أن هذا المكان قد شيد في عهد الحكومة الشيوعية الأفغانية، وقد عرفنا فيما بعد أنه كان قاعدة روسية في أفغانستان بُنيتْ في عهد الاتحاد السوفييتي. ويظهر على المكان الإهمال وعدم الترتيب، وكان مقسوماً قسمين؛ في كل قسم أربع غرف موزعة على طابقين، أرضي وأول. كما قسمت مساحة الأرضية المتبقية إلى أربعة أقفاص، كنت في القفص الأول الذي يواجه الغرفتين الأماميتين، وأمامنا المبنى.

 

هممتُ أن أقوم لأداء صلاة الفجر وكان الجو باردا ولم أر الشمس. وكنت أحسب أن الساعة السابعة أو الثامنة صباحاً؛ إذ كان هناك ضوء، وعندما هممت بالوقوف أمرني العسكري بأن أجلس، وقالوا إن الوقوف ممنوع، وكذلك النظر إلى أعلى والنظر إلى أسفل، ويُمنع التحدث مع المعتقلين. وإذا أردتُ شيئاً فعليَّ أن أرفع أصبعي حتى أحصل على إذن في الكلام، وأن أتبع أوامر الجنود. وبعد انتهائه من إملاء تلك الأوامر، قلت له: إنني أريد ماء للوضوء، فقال: لا يسمح لك إلا بقارورة واحدة في اليوم، وإيّاك والاغتسال بها! عليك استعمالها للشرب فقط، وإلا تعرضت لعقوبات قاسية.

 

كانت أحداث الليلة الماضية تطارد مخيّلتي، غير أن التعب والإرهاق أخذا مني فغلبني النوم، ونمت ولم أستيقظ إلا على صياح الجنود وهم يسوقون الناس إلى مكان قضاء الحاجة واحداً تلو الآخر

كان الجنود يحملون بنادق من طراز (M16) ومسدسات شخصية، وحقائب على ظهورهم، وعلى رأس كل منهم خوذة، وكانوا يحملون في أيديهم عِصِـياً يضربون بها الأرض عندما يتحدثون، فتصدر صوتاً مزعجاً، وكانوا يتوعدون ويشتمون ويتلفظون بألفاظ نابية وبذيئة يعف لسان العاقل عن ذكرها.  تَلَـفّتُّ يمنةً ويُسرةً، فرأيت أحد المعتقلين يضرب بيديه الأرض، ويتيمّم ويصلي وهو جالس فقلدته، تيممت وصليت وأنا جالس، وبعد انتهائي من الصلاة طلبت ماء فأعطوني قارورة من الماء صغيرة حسوتُ منها جرعات صغيرة. وبينما أنا أجول بناظري في المكان رأيت إحدى الجنديات وهي تنادي برقمي 35 وتقول: لا تلتفت، لا تتكلم، لا تتحرك، انظر تحتك. أدركت حينئذ أن الرقم مكتوب على ظهر ملابس السجن التي كنت أرتديها.

 

كانت أحداث الليلة الماضية تطارد مخيّلتي، غير أن التعب والإرهاق أخذا مني فغلبني النوم، ونمت ولم أستيقظ إلا على صياح الجنود وهم يسوقون الناس إلى مكان قضاء الحاجة واحداً تلو الآخر. كانوا يضعون قيوداً في أيدينا وأرجلنا طول الوقت، وعندما جاء دوري وهممت بالوقوف، خانتني رجلاي ولم تقويا على حملي. حاولت مراراً حتى استويتُ واقفاً فطلبوا مني أن أتحرك خطوات إلى الأمام، وأن أرفع يدي وأدور حول نفسي وأنظر إلى الخلف. فتحوا بوابة السلك الشائك وهجموا عليَّ وأمسكوني وأنا مقيد من يدي ورجلي، ثم أخرجوني وأغلقوا الباب على عجل، وأمروني أن أنظر إلى أسفل، وألا أتحرك إلا بإذنهم.

 

سحبوني خارج القفص، ومشيت أمتاراً حتى وصلت إلى بوابة العنبر. خرجت من البوابة فإذا بحفرة أمام الباب مباشرة، وقد وضع على جانبيها بابان قديمان من الحديد، وبينهما فتحة صغيرة. ثم قالوا لي: اقضِ حاجتك هنا. فطلبت فكَّ القيد من يدي ففكوه، وانتظرت انصرافهم فلم يذهبوا وقالوا لي: افعل! فقلت: تأخروا قليلاً أو اذهبوا. قالوا: لا، نحن لا نذهب، سنبقى هنا معك وإذا لم تفعل في دقيقتين، فسنعيدك مرة أخرى. أمامك ثلاث فرص في اليوم فقط، وهذه هي الثانية. بقيت لك فرصة واحدة ستكون في المساء آخر اليوم، ولن يسمح لك بأخرى. كانوا يسمحون بقضاء الحاجة في الصباح الباكر وفي منتصف اليوم وفي أول الليل.

 

وقفت أتأمل حولي فانتهروني وقالوا انظر أمامك فقط ولا وقت للتأخير. سمعت ضحكة نسائية، ورفعت رأسي، فرأيت إحدى الجنديات وهي تحمل رشاشاً توجهه نحوي، وتشير لي بأصبعها أن أسرع وهي تضحك مع الجنود هازئة ساخرة. قضيتُ حاجتي على عجل، وقمت ولم يعطوني شيئاً أنظّف نفسي به، لا ماء ولا ورق ولا أي شيء! خرجت من المكان فسحبوني وأعادوا تقييد يديَّ من الخلف، وجروني إلى مكاني، ثم صاحوا بالرقم 36 وأخذوه.

 

بقينا على هذه الحال لا نبرح أماكننا، وكانوا يطعموننا وجبة واحدة في اليوم، وهي عبارة كما أسلفت عن مئتين (أو مئتين وخمسين) غراماً من الأكل الجاهز الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا نعرف شيئاً عن مكوناته. عندما أخذوني إلى مكان قضاء الحاجة، عزمت على ألا أتناول طعاماً، وأكتفي بجرعات من الماء فقط. كان الجو بارداً في شهر يناير/ كانون الثاني، وكنا كلّ صباح نجد قوارير الماء مثلجة تماماً من شدة البرد.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة