أسامة الصياد
أسامة الصياد
2 k

المرابطة على ثغور الوهم

27/3/2017
مرت ذكريات الثورات العربية متعاقبة، كما طعنت أحداثها الجسام الذاكرة سنة تلو الأخرى، بعد أن خاض الجميع التجرية منذ أكثر من 6 سنوات، تخللتها انتصارات وهزائم، دماء وأشلاء، ممارسات ناضجة ومبتسرة، بيد أن القاسم المشترك الوحيد بين أنصارها أنهم خرجوا جميعم أبطالًا، أو هكذا يدَّعون.

لم يمارس أي تيار من هؤلاء الأنصار لهذا الربيع العربي نقدًا ذاتيًا حقيقيًا لأفعاله خلال أي وقت طال أو قصر من عمر هذه المرحلة، مع استمراء خوض اللحظة الراهنة بمنطقية المظلومية التي تثار معها الحساسية المفرطة، لأي مطالبات بالمراجعات أو النقد الذاتي لما جرى.

تجد الآن في المشهد المصري أن التجمع الواحد قد انقسم وتشرذم إلى عدة فرق؛ كلهم يجمعون ويتفقون على أن كلاًّ منهم لم يُخطئ، وكان الأكثر "طهورية" و "ملائكية".
لم نر رواية تفكيكية واحدة رصينة لما حدث، من جانب من خاضوا هذا المرحلة في طور تنظيمي، تجيب على أسباب الهزيمة، أو مواطن الخلل، بينما لا تجد إلا استدعاء ذكريات تجميد المواقف أمام الخصوم، والتي تداعب خيالهم بين الفينة والأخرى، حتى أن من خاضوا هذه التجربة بشخوصهم تجد لدى بعضهم الأنفة من تلك المراجعات على يسرها بالنسبة لفرد بعيدًا عن التكلس التنظيمي.

حتى تاريخ ما حدث ورواياته لم تخرج إلى النور بعد، سوى من بعض تسريبات أمنية لأغراض محددة سلفًا، أو روايات مبتورة من قيادات تصدرت ما يُعرف بالمشهد الثوري في السابق، ولا تزال حبيسة أذهان لا نعلم كم المتبقي من آجالها، في حين يقبع الآخرون في السجون انتظارًا.

أوتيت هذه الثورات من كل جانب عبر ثورات مضادة وعوامل ذاتية تخص أنصارها، حتى أننا نقف مشاهدين ومنتظرين الآن دون أن نحرك ساكنًا أن "نؤتى من قبل الذاكرة" بالصمت وكبر المراجعة، وفيما أعتقد فهي جريمة شنعاء تسهل للثورات المضادة عملية تشويه ذاكرة الثورة عند أجيال قادمة.

إذا مررنا بالمشهد المصري، تجد المعارك مندلعة على أشدها في ذكرى كل حدث بنفس الوجه الاستقطابي السائد قبل 4 سنوات بين فصائل كانت في خندق واحد محسوب على "الثورة"، ليست هذه المشكلة فحسب، بل إن التجمع الواحد الآن انقسم وتشرذم إلى عدة فرق، إلا أنهم أجمعوا واتفقوا على أن كل منهم لم يُخطئ وكان الأكثر "طهورية" و "ملائكية".

حتى أن مراجعات فصيل بحجم "جماعة الإخوان المسلمين" الذي انشق على نفسه بعد انقلاب الثالث من يوليو، جاءت لتعبر عن جناح أطلقها في الهواء، ولا يُرى حتى الآن سبيل للتعاطي معها أو سبل انعكاسها على الواقع إلا في إطار المكايدات التنظيمية.

أخطاء الماضي لا يمكن تداركها إلا بالإقرار بها، أما محاولات إهالة التراب على ما حدث، فلن تجدي نفعًا، ولن تُعطي إلا أمدًا طويلًا لسياسات الجري في المكان المتبعة من قبل البعض
لا زال كل منا يؤمن أنه كان ملاكًا يواجه شياطين، لا أحد يريد أن يقر بذنب إلا ويتبعه بمن الاعتراف، وكأن الثورات أجرمت بحق أنفسها فقط، وكل مكوناتها أبرياء من انتكاساتها، والواقع يقول أن الثورة فُرغت من مضمونها في كل محطاتها عبر مجموعة من الخيانات والأرجوزات والمزايدين والطفيليات المنتفعة على هوامش المعارك، وبقي أحدهم ينتظر الثورة الإسلامية والآخر ينتظر الثورة الحمراء.

طالما أن إرث الماضي لم يفكك حتى اللحظة، سيظل عبئًا يثقل كاهل أي تحرك للإمام، ولا أنظر لمبادرات التوافق ولم الشمل وهذه المصطلحات المقبورة سلفًا إلا في إطار الهروب من تحمل ضريبة المراجعات، وممارسة فضيلة النقد الذاتي لمعسكر الثورة.

أخطاء الماضي لا يمكن تداركها إلا بالإقرار بها، أما محاولات إهالة التراب على ما حدث، فلن تجدي نفعًا، ولن تُعطي إلا أمدًا طويلًا لسياسات الجري في المكان المتبعة من قبل البعض، فيما ستظل الثورة محصنة من أن تمارس ما ثارت عليه، طالما تحلت فصائها بنقد ومراجعات، ترفضها فقط الأنظمة الديكتاتورية.

وبما أن أفكار الإنسان تتغير وتتبدل وتنتقل من النقيض إلى النقيض، ولا بأس في هذا باعتبارها طبيعتنا البشرية الغير منزهة، وكذلك بحكم طبائع الأشياء، فيمكن بصورة أو بأخرى إجراء مراجعات على أي فكرة كنا نراها الأشد صلابة، أما وإن نرهق بعضنا البعض في كل تحول طارئ على أفكارنا باعتباره اليقين الموحى به من السماء فهذه هي المرابطة على ثغور الوهم بعينها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة