رِباط الحرية

29/3/2017

كتب شيخ الوجودية سارتر في التاسع من أيلول عام 1944 مقالة عنوانها "الآداب الفرنسية" عالج فيها نفسية الفرنسيين إبان الحرب والاحتلال الالماني، جاء فيها: " لم نكن قط أحرارًا كما كنا زمن الاحتلال الألماني، فنحن فقدنا كل حقوقنا وأولها حق الكلام، كما تعرضنا للإهانة اليومية وكان علينا أن نبقى صامتين.. كنا مطاردين ولذلك كنا أحرارً فكل كلمة ثمينة كانت كإعلان مبدأ، وكل حركة نتحركها تمثل مناوشة مع العدو وكل فكر حر انتصارًا".

 

وقد أراد شيخ الوجودية من سوق هذه الفكرة التمييز بين مرحلتين للحرية، الحرية في مستواها الحقوقي بضمانة الدولة لها ومنحها لأبنائها وهي الثمرة، ومستوى آخر تكون الحرية فيه مرادفًا لعملية التحرر نفسها وهي السبيل في الوصول للأولى، فكل عمل يكون خارجا عن القيود المفروضة وصادرًا عن اختيار المرء ضد إرادة القمع والمنع هي الحرية عينها. وسواءً أراد سارتر هذا المعنى أم لم يرده فإنني أريده، وما ختمت الفلسفة به حتى لا يجوز لنا الزيادة عليه. فالحرية حريتان حرية يتحقق بها الإنسان، وحريةُ تتحقق له، ومن عجز عن الأولى فهو عن الثانية أبعد.

 

إن الحرية كقيمة عليا مصدرها الإرادة الإنسانية تتحقق بغض النظر عن البيئة الخارجية، فمتى اتبع المرء إرادته والتزم مبادئه التي يؤمن بها ولم يمنعه من ذلك عاملُ خارجي كان امرءَا حرًا يستأمر نفسه ويصدر عن رأيها. ويكون رفضه التسلطَ ونبذه الخوفَ في ممارسته لمبدأه وعقيدته إعلان لاستقلاليته وتحققه بهذه الفضيلة التي يدعونها الحرية. 

 

إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمه ** ونكّبَ عن ذكر العواقبِ جانبا.

ولم يستشر في رأيه غيرَ نفسه ** ولم يرضَ إلا قائم السيف صاحبا.

 

المحافظة على الحركة في الحالة الثورية أجدى من التفكير بالمسطرة والفرجار، لأن الثورة خروج على منطق ميزان القوى وهدفها زعزعة المركزية التي يصدر عنها الاستبداد وهذا لا يكون إلا بالحفاظ على الحركة الثورية وفي الحركة مجال للتصحيح

بهذا كان يعبر عن العربي عن حريته الواسعة التي عاش بها حياته الثورية. وإذا أنت تأملت الحرية في كلام العرب وجدت أنها تدور في ملك المرء أمور نفسه وتصرفه فيها، وانعتاقه من العبودية التي هي سلب المرء إرادته، هذه الحرية التي عرفها العربي وهذا ما يفهمه منها وهو ما قررته لك قبل، فإن كنت في شكٍ فأسال ابن منظور وابن فارس والفيروزبادي.

 

فإن قلت لي "تنكّبُ العواقب" وعدم التأمل فيها تعريفُ للتهور. أجبتك بل هو ما يسمونه بالضرورة الثورية. فالمحافظة على الحركة في الحالة الثورية أجدى من التفكير بالمسطرة والفرجار، لأن الثورة خروج على منطق ميزان القوى وهدفها زعزعة المركزية التي يصدر عنها الاستبداد وهذا لا يكون إلا بالحفاظ على الحركة الثورية وفي الحركة مجال للتصحيح، ثم إن الثورة طفرة في الزمن فالتوقف للتأمل والنظر في العواقب مؤذنُ بفوات قطار الزمن. هل تحسب أن صاحب مقولة "فاتكم القطار" كان قد فهم هذا المنطق حين مال الثائرون عليه إلى المفاوضات ولمّا تأخذ الحركة الثورية مداها بعد؟! لا أظن. وعلى كل حال فقد تغيرت أشياء كثيرة حين عجز البعض عن استثمار المد الثوري وأخذوا التفكير في العواقب وأخذوا يتشوفون إلى المراكز فعادوا إلى قانون المستبد في ميزان القوى، وخسروا لأن كفتهم فيه لا ترجح، ما علينا.

 

قلتُ إن الحرية بمعناها النضالي هذا هو الذي نعيشه اليوم في عالمنا العربي منذ أشرقت شمس التحرر من ملابس البوعزيزي. ففي الوقت الذي أصبح فيه الناس يتهيبون من كلمة الحرية بعد انحسار حركات التحرير وصولة عساكر البغي والاستبداد وأنظمة النفط والمال بدعم هذه الانقلابات صار المواطن العربي من الضيق والضنك يقول مقالة الندامة: يا ليت الربيع لم يأتِ قط! وهذا لعمرك الخسارة الكبرى التي تفوق خسارة الدم، فبهذه الروح ينتهي فعل التحرر وتنكسر مسيرة فك الأغلال.

 

إن الحرية التي نعيشها اليوم في ألا يملك غيرنا قرارنا، وفي رفض الانصياع لمنطق الظلم وأخلاقياته، هاته الحرية التي يمارسها منا الذي يحمل البندقية مجاهدًا لتحرير أرضه والذي يكتب عن المظالم وينقل للعالم عورات الاستبداد الذي خرجنا عليه والذي يغرد مقارعًا لإعلام الظلام وكشف زيفه ومن يشارك المنشورات في الفيس بوك لإبقاء قضية التحرر حية في وجدان الشعوب العربية وسط سديم القهر وتكميم الأفواه، أقول إن تلك الحرية أكثر إيغالًا في الفضائل من تلك الحرية التي خرجنا مطالبين بها أول الأمر، تلك الحرية الباردة الهانئة التي لا يكدرها خوف أو خطر، أما هذه فهي بروح النضال وطعم الجهاد وتحقيق الإنسانية التي يسعى الاستبداد لاختزالها في المطعم والمشرب وسكينة العيش.

 

هل سنصل للحرية الثمرة؟ تلك التي خرج الناس ينادونها في قبل ست سنوات؟ لا أدري. الذي أعرفه أن رباطنا على ثغر التحرر وممارستنا لحريتنا في رفض الظلم ومحاولة اقتلاع الاستبداد وتكميل إنسانيتنا بتحققنا بالفضائل التي ننادي بها وملكنا لقرارنا من غير خوف أو تهيّب هي حريةٌ سنعيشها إن لم نصل إلى الأخرى. وسيصلها من بعدنا.

 

لعل قدرنا في المحافظة على شعلة الثورة التي سطعت منذ ستة أعوام وأخذت تخبو بعد توهج هو السبيل الوحيد الذي نعيش به بفضائلنا وقيمنا في زمن انسحقت في الفضائل وماتت القيم وسادت فيه أخلاق القوة والفساد. إن بلوغ النهايات ليس من مهامنا ولكن السير في المسار الصحيح واجب.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة