سامي الحاج
سامي الحاج
1.4 k

"غوانتنامو قصَتي".. ستة عشر يوماً في باغرام

30/3/2017

في الليلة الثانية لم أذق طعماً للنوم، فقد كان الجو بارداً جداً، وازداد ألم الركبة وأحسست بآلام شديدة في جسدي من طول الجلوس وقلة الحركة، وكان القيد يؤلمني كثيراً. حاولت تحريك رجلي، فلما رأوني نادوا عليَّ، ووضعوا على رجلي قيداً حديدياً ضاغطاً بدل قيد البلاستيك، وانتفخت رجلاي من شدة البرد وضغط القيد. شدة البرد كذلك ساعدت على منع النوم لأن البطانية كانت خفيفة جداً لا تغطيني بالكامل ولا تمنح دفئاً، والبطانية الأخرى لم تساعد في تخفيف البرد الصاعد من الأرضية التي كانت باردة جداً.

 

كنت أتقلب على جنبي الأيمن تارة والأيسر تارة أخرى طول الليل، وعندما أصبح الصبح صليت متيمماً، ولم أتناول الطعام واكتفيت بالماء فقط لئلا أحتاج للذهاب إلى الخلاء. كنت ألاحظ معاناة الآخرين عندما يحتاجون للذهاب إلى الخلاء آخر الليل فيمنعون وينهرون.. وحدث أن وقف أحدهم فضربوه وأوقعوه أرضاً. فلما رد على سبابهم علقوه على الباب من إحدى يديه، فلما حاول فك القيد باليد الأخرى علقوه من يديه طول الليل، فكان عبرة لنا جميعاً. ولم أنم حتى الصباح. كانوا يأخذوننا واحداً واحداً إلى التحقيق، ومكثنا أسبوعاً على هذا الوضع، وأذكر أنهم أتوا بمعتقلين جدد في ذلك الأسبوع فوضعوهم في الأسيجة القريبة، وكانوا يأتون لاحقاً بمجموعات كل ثلاثة أيام أو أربعة.

 

بعد أن مكثت ثلاثة عشر يوماً جاؤوا إليَّ وصعدوا بي إلى الغرفة العليا التي كانت تستخدم للتحقيق. عندما دخلت إلى الغرفة شعرت بالدفء لحظات وأحسست بالحاجة إلى النوم، وشعرت بالنعاس فصاحوا بي: إذا أغمضت عينيك فسنوقفك على رجليك طلية فترة التحقيق. حضر الضابط ومعه العربي السابق الذي لقيته أول ليلة، وبدأ يسألني:

 

ما اسمك؟ وما بلدك؟ وما جنسيتك وتاريخ ميلادك؟ وما وظيفتك؟ قلت له: وظيفتي صحفي، فقال أنت الذي قمت بتصوير أسامة بن لادن؟ فنفيت أن أكون الذي صور الفيلم الذي شوهد يومَ الغارة على أفغانستان، وقلت له: إنني شاهدت هذا الفيلم في الدوحة وأنا إذّاكَ في مقرّ القناة، والتقرير المصور بُث من مكتب كابول، والدليل موجود في الجواز الذي بحوزتكم إذ لم أتحرك من الدوحة إلا في الحادي عشر من أكتوبر 2001م. أما بث التقرير المصور، فكان قبل ذلك بأيام. وأوضحت له كذلك أن التقرير الثاني عن أسامة بن لادن أنجزه مدير مكتب الجزيرة في كابول وقد ظهر على الشاشة وهو يقدم التقرير للمشاهدين.

 

سألنى ماذا سوف أقول إذا خرجت ودون أدنى تفكير أنطقني الله بكلمات، فقلت له: سأقول ما رأيت، سأقول إنكم ضربتموني وتسببتم لي في تمزق رباط ركبتي، ومنعتموني من الصلاة، وجوعتمونا وانتهكتم كرامتنا وأهنتمونا بغير سبب

فقال: هل تؤكد أنك لم تكن معه في التصوير؟ فأكدت أنني كنت موجوداً في قندهار وكانت مهمتي تغطية الوضع في قندهار وأنني لم أرَ كابول من قبل. وأخبرته بأن لي شهوداً على ذلك الأمر وهم من الـ "سي.أن.أن"، لأنني كنت طيلة تلك الفترة معهم وفي ضيافتهم في قندهار، إلى أن خرجت من أفغانستان، وأعتقد أنهم مستعدون للشهادة على هذا الأمر.

 

عاد فسألني: إذاً أين كنت يوم الحادي عشر من سبتمبر؟ قلت: إنني كنت في سوريا لقضاء إجازة مع زوجتي وأفراد أسرتي الذين أتوا من السودان، ثم اتصل بي المسؤولون في قناة الجزيرة وأنا في سوريا وطلبوا مني العودة إلى الدوحة لأنهم بصدد إرسالي إلى أفغانستان، وبالفعل أعدتُ أسرتي إلى أذربيجان وودّعت أقاربي وسافرت إلى الدوحة أواخر سبتمبر وبداية أكتوبر، وهناك بدأت بإجراءات السفر، ثم أرسلوني إلى أفغانستان بعد إكمال دورة في التصوير والمونتاج وإرسال الموادّ المصوّرة، فتم اختياري لهذه المهمة. وأخبرته أني وقّعت عقداً رسمياً مع القناة على هذا الأساس وقدمت جواز سفري إلى السفارة الباكستانية التي حصلت منها على تأشيرة دخول مرتين، وسافرت لمزاولة عملي. وأنني في الحادي عشر من أكتوبر انطلقنا من الدوحة نحو باكستان ونزلت في إسلام أباد فجر الثاني عشر من أكتوبر مباشرة، وكان معي في الرحلة الصحفي يوسف الشولي، ثم أكملت له سياق القصة المعروف.

 

بعدها بادرني بسؤال: إذا أطلقنا سراحك ماذا تقول عنا؟ أدركت حينئذ أنه قد توصل إلى اقتناع تام بأنني لم أصور ابن لادن، وأنني فعلاً كنت في سوريا في تاريخ الحادي عشر من سبتمبر، وأنه تحقق من ذلك عن طريق جوازي، وكان معه المترجم العربي الذي كان يتابع التواريخ المكتوبة على جواز سفري، ويوضحها له بالإنجليزية. ودون أدنى تفكير أنطقني الله بكلمات، فقلت له: سأقول ما رأيت، سأقول إنكم ضربتموني وتسببتم لي في تمزق رباط ركبتي، ومنعتموني من الصلاة، وجوعتمونا وانتهكتم كرامتنا وأهنتمونا بغير سبب، ولم تسمحوا لنا بممارسة شعائرنا الدينية، ومنعتمونا من الكلام ومن التحدث والحركة.

 

من فنون التعذيب التي كانوا يمارسونها علينا في باغرام أنهم كانوا يلزموننا بتوجيه وجوهنا إلى الأمام أثناء النوم حتى تتقابل عيوننا مع كشافات قوية لا يستطيع أحدنا التحديق فيها من شدة إضاءتها

ضحك وسألني: هل تريد أمراً آخر، فقد انتهت مقابلتك؟ فقلت: نعم أريد طبيباً يعالجني فأنا أتألم من ركبتي وقد أمرضني البرد. وأريته رجلي وهي منتفخة من شدة الإصابة بالروماتيزم، وطلبتُ كذلك السماح لنا باستعمال خلاءات مستورة وأداء الشعائر الدينية والطعام الجيد، فوجبة واحدة لا تكفي في هذا البرد القارس، كما أن الغطاء ليس كافياً، فنحن لا نستطيع أن ننام بسبب شدة البرد. فردّ عليَّ بأنه لا يستطيع مساعدتي في هذه الأشياء، ولكنه سيزودني ببطانية ثالثة. وبالفعل أخذ بطانية ووضعها على كتفي، لأن يديَّ مقيدتان، ثم أمر العسكري بإنزالي مرة أخرى إلى القفص.

 

بعد ذلك بيوم نقلوا مجموعة منا في منتصف الليل إلى مكان آخر. ربطوهم بالحبال ووضعوهم في طابور وأخذوهم إلى ساحة المطار في الداخل، ثم اختفوا ولم يعودوا. وحسب المعلومات التي استقيتها سابقاً من الأخبار، فقد خَمّنتُ أنهم يَنقُلون المعتقلين إلى السجن الأمريكي في قندهار. وبالفعل، بعد ثلاثة أيام من المقابلة، أي بعد ستة عشر يوماً قضيناها في باغرام، كانت كل ليلة منها أبرد من الأخرى، نادى الجنود على رقمي مع أرقام أخرى، ووُضعنا في طابور ثم رُبطنا بالحبال من أيدينا كما وصفتُ أول ليلة، ثم سُحبنا إلى أن وصلنا إلى الطائرة. كان الجو بارداً والكلاب تنبح حولنا والجنود يتصايحون وعيوننا بل رؤوسنا كلها مغطاة بالأكياس السُّود، وأُدخلنا طائرة كنا نسمع هدير محركاتها.

 

كانت أبرز ملامح الأيام الستة عشر التي قضيناها في باغرام منعنا من الكلام وقلة الطعام وانعدام الدواء وشدة البرد وقلة الأغطية وحمامات الخلاء المهينة المكشوفة، ثلاث مرات فقط يومياً، وتقييد الوقوف بلا حركة. وأذكر أن أحد الأفغان الذين كانوا معتقلين في باغرام حاول الهروب في إحدى الليالي فاعتقلوه وأرجعوه وضربوه ضرباً مبرحاً في إحدى الغرف، وكنا نسمع صراخه وهو يتألم. وفجأة خرجوا وهم مذهولين، وبعد هنيهة أخرجوا الأفغاني جُثّةً هامدةً، بعد أن مات تحت التعذيب.

 

ومن فنون التعذيب التي كانوا يمارسونها علينا في باغرام أنهم كانوا يلزموننا بتوجيه وجوهنا إلى الأمام أثناء النوم حتى تتقابل عيوننا مع كشافات قوية لا يستطيع أحدنا التحديق فيها من شدة إضاءتها. الحراس يتكونون من مجموعتين، كل مجموعة تعمل اثنتي عشرة ساعة، وهم خليط من النساء والرجال، كانوا يسبُّوننا ويؤذوننا بالكلام البذيء.. النساء كُنَّ يضحكن من المعتقلين أثناء قضاء الحاجة. وكان الحراس يقيمون حفلاً للأعلام الأمريكية ويرفعون أصوات الموسيقى الوطنية وموسيقى الرقص، وكانوا يحيون العلم ويلتقطون بجواره الصور في نشوة انتصار، وكانوا يتقاسمون أطايب الطعام أمامنا ونحن محرومون منه، وكانوا يتناولون القهوة والمشروبات الساخنة أمامنا، ولا تمر على العسكري دقائق حتى يُخرج أكلاً أو مشروباً من حقيبته.

كلمات مفتاحية: ملامح، تحقيق، ضرب، جثة، ألم، هروب، حبال.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة