لمى خاطر
لمى خاطر
2.1 k

كيف تصنع الشهادة بنا كلّ هذا؟

30/3/2017

لأنهم أطلوا علينا من عليائهم فأورق ظلّهم وامتد كدالية وارفة، أقالت تحتها الروح برهة فأنعشها الفيء وداعبت الخضرة يباسها.. لأنهم تركوا الوجع للمنتظرين وحظوا هم بتلك الرحلة المحفوفة بالملائك نحو السماء.. لأنها استفاقوا حين رقد المتعبون، وتعاظموا حين صغُر اليائسون، وأبصروا الطريق حين ضلّ العابثون، وتطلعوا للعلياء حين انشغل العاديّون بلملمة الفتات عن أديم دنياهم الفانية.. لأنهم صاغوا ملحمة التجرّد وانسكب عطرهم ينعش تفاصيلها، ويطارد الحيرة باليقين، والانسحاب بالإقدام، والأنانية بالتفاني. لأجل كل ذلك علينا أن نطمئن ونوقن بأن دماءهم لم تُبذل سُدى، ولن يُصار بها إلى حافة النسيان.

 

ليس صعباً على من قُدر له أن يعيش في ساحة نازفة أن يلمس ذلك الوقع الخاص الذي يصنعه حدث الشهادة في نفسه، وليس سرّاً أن حالة فريدة من التطهّر يمرّ بها إن تأثر بشهيد ما فأوقفه رحيله أمام حقائق جديدة أو أعاد ترتيب بعض المفاهيم في ذهنه، أو ردّ لروحه شيئاً من الألق المفتقد.

 

وفي فلسطين التي تتكاثر فيها حكايا الشهادة والشهداء، وتتعدد وجوهها وتتجدد منذ عقود، سيظلّ إرثها ملهماً خفيّاً لكل جيل جديد ينشأ في كنف القهر والاحتلال والحصار والاختناق، وستظلّ هي بتفاعلاتها الثرية كلمة السرّ القادرة على صقل السيوف في أغمادها، وتمتين السهام في كناناتها، وردم النتوءات التي يحدثها الزمن في جدار العزائم، وتحريك ما سكن وجمُد من همم بفعل الطبيعة البشرية أو استجابةً لصدى ضعفها الفطري.

 

تلك الطاقة غير الملموسة التي تصنعها الشهادة تتفاعل ببطء داخل الأرواح والأفئدة ويتمدّد نورها شيئاً فشيئا في ساحات الألباب، حتى تصوغ وعياً خاصاً وتنتج نفوساً جديدة، في إبائها وعنفوانها وفهمها لدورها، وقدرتها على احتمال تكاليفه

وفي حالات عديدة كانت شهادة بعض المقاتلين أو القادة مفتاحاً يؤذن بتدشين مرحلة جديدة والتحلل من سابقة رثّة، والانتقال من حيرة الجمود إلى الإدراك الواثق بالمسؤوليات، والتسامي عن الصغائر وإبصار الأولويات، وتأخير الهامشي وتقديم الجوهري، حتى لو كان هذا الأخير مكلفاً وباهظ الثمن، غير أن متطلبات التضحية وجدواها كانت تتجلى في أبهى صورها فقط مع أحداث جليلة يكون فيها الشهيد نجم المرحلة وفارسها بلا منازع، وصاحب نياشين الوفاء الأرفع فيها.

 

ولكن ليس التفاعل واحداً مع كل حالة للشهادة، رغم أنها بحد ذاتها تمثل سمواً غير محدود، وانعتاقاً أبديا من سطوة الحياة الدنيا، خصوصا لدى من أقبل عليها أو سعى لها، ولم تنزل عليه دونما ترقّب لها أو استعداد، غير أن معاني الصدق الكثيفة التي تقطر منها مع دماء فرسانها الاستثنائيين تجبر القريبين منها أو المتأثرين بها على إدامة النظر في مرآة روحهم، فتحررهم من الزيف، وتواجههم مع حقيقة ذواتهم، وتكشف لهم مواقعهم الفعلية في معادلة الصدق والإخلاص، ومدى قربهم أو ابتعادهم عن مبادئهم، وحجم تجرّدهم في مسيرتهم الطويلة وهم يحملون همّاً ما أو يخدمون قضية كبرى.

 

في لحظات خاصة جداً، وتحت وميض قناديل الدم لا بد أن يعيد المرء حساباته، أن يسأل نفسه تلك الأسئلة الصعبة: أتراني قادراً على أن أكون مثل هذا الراحل؟ وهل أنا مستعد لحمل مشعل الفداء والزهد في الدنيا والتخفف من أحمالها؟ وكيف تراه يكون الشعور قُبيل لحظة الارتقاء؟ وهل ستصمد النفس أم تخور عند تيقّنها من اقتراب الموت؟ وماذا سيحدث في لحظته التالية؟!

 

سيظل مفهوم الشهادة مقترناً بالتحرر الفعلي والحياة الخالدة، وبالسموّ والتجرّد، وستظل هناك دماء ممتدة كخيط من النور طويل، لا يكاد يشحب حتى تومضه أرواح أخرى من جديد، وسيظل للشهادة صنيع الحثّ والتحفيز، واستنهاض النفوس وتجريدها من الأسى، ما بقيت هناك مقدسات يُذاد عنها، وما بقيت قضايا عادلة يبذل الصادقون أرواحهم على دروبها. وسيظل أهل الدنيا يحتفون بالصاعدين إلى جنانهم، حتى وإن عجزوا عن مجاراتهم وسدّ مكانهم في الدنيا.

 

فحين قرن القرآن الكريم الشهادة بالحياة في أكثر من موضع فيه كان ذلك ليس فقط لتبيان جزائهم المديد عند الله، بل لأن أثر الشهداء يحيي نفوساً ميتة ويرمم أخرى خربة، ويعيد تعريف كثير من الأشياء في وعي الناس، حتى وإن لم يشعروا بذلك مباشرة، فتلك الطاقة غير الملموسة التي تصنعها الشهادة تتفاعل ببطء داخل الأرواح والأفئدة ويتمدّد نورها شيئاً فشيئا في ساحات الألباب، حتى تصوغ وعياً خاصاً وتنتج نفوساً جديدة، في إبائها وعنفوانها وفهمها لدورها، وقدرتها على احتمال تكاليفه.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة