ساري عرابي
ساري عرابي
4.9 k

عن ناهد وسهام.. أجمل النساء المضرّجات بالبلاغة والطيبة

1/4/2017

في المرتين؛ في المرة الأولى في حفل تخرجها، والمرة الوحيدة التي جمعها فيها تسجيل فيديو بزوجها، حينما تنازل قليلاً عن حسّه الأمني إكرامًا لها، وفي المرة الثانية بعد استشهاد زوجها؛ كانت الأغاني تفور من صوتها، وفي المرتين، طلبت "الزغرودة" من النّاس، تعويضًا، في المرّة الأولى، عن غياب الأم عن حفل تخرجها، وعريشة من عشب أخضر، في المرة الثانية، تظلل به نعش زوجها الشهيد.. في المرة الأولى قالت "زغردولي"، وفي المرة الثانية قالت "زغردولو".. أنا لا أعرف كلمة واحدة قيلت مرتين، من شخص واحد، تختزن أعظم القصص عاطفة وصدقًا!

في المرتين؛ كانت ناهد عصيدة، زوجة الشهيد مازن فقها، تفيض بالطيبة، وتطلق أسراب العصافير تغني بين كلماتها، وتغني كلماتها، طفلة في المرّة الأولى، تلوّح المكان بالطفولة البريئة، وي كأنها ابنة المقاتل وهي زوجه، تمتد أفقًا من الأماني الجميلة في ظلّ المقاتل الشامخ، ودمعة تكسو بها المكان كلّه في المرّة الثانية، تلوّحه بالحزن الشامخ، وقد تعلّمتْ من الشهيد أن تكون قويّة.

في المرتين؛ لم تترفق ناهد عصيدة بنا، أطلقت لبلاغتها أشرعتها، وحملت كلماتها على سفن تنساب في نهر الضوء إلى قلوبنا، تنوء قلوبنا بطفولتها الذكية، تنوء قلوبنا بحزنها الشامخ، تتلو علينا، بلا عناء، من عينيها الضاحكتين أول مرة، والباكيتين بشموخ ثاني مرة، النصّ الأجمل، والأكثر بلاغة، المكتوب على نفس طيبة، والمتهادي منها، ومن قلب محب، وعقل ذكي، إلى لسانها، تهبنا الشمس تتسع حلمًا في عيون العصافير تؤوّب كلماتها.

بوجهها المضرّج بالبراءة، وقد لوّحته ظلال المقاتل وسرّ بندقيته، أعلنت البلاغة سرًّا عصيًّا علينا، من صدق وفرح، من صدق وحزن، سرًّا تفسده الأقلام والأوراق، يفسده الإعداد والتكلف، أعلنته نيابة عن أزواج الشهداء، وقالت فيه كل الحكايا؛ أقدم حكايا الحزن الفلسطينية، أعمق حكايا الوجع، أصدق حكايا الأمل، وحكايا الجراح التي تهدهد فيها الوطن.

بلاغة سهام نمر التي تلملم رائحة ابنها الشهيد مصطفى، وتمعن في أيامها معه، وتعيد ترتيب اللغة في قلبها.. وهي لا تتلو من ذكراه، سوى كلماته القليلة الأخيرة، التي تجسد الابن البارّ، والإنسان الصالح في آخر حضور له في حضن قلبها.

قالت في حفل تخرجها بحضرة مازن: "لما طلبني مازن للزواج؛ كان القرار صعبًا جدًّا؛ الإبعاد، والغربة ومرارتها، وحصار غزة المفروض عليها، ودراستي التي لم أكملها بعد، كنت ما أزال في السنة الدراسية الثالثة في الجامعة، لكني كنت أحب أن يكون لي تضحية بسيطة لأجل إنسان نذر نفسه وحياته للجهاد والمقاومة"..

بالرغم من تدخلي الذي ينتقص من بهاء النص، حينما حولته عن دارجته البليغة بقائلته إلى فصيحتي القاصرة بي؛ هل مرّت بكم بلاغة مثل هذه؟ تلخص كل تلك الحكايات؟ وتنوب عن مئات الزوجات؛ زوجات المقاتلين، وزوجات المطاردين، وزوجات الأسرى، وزوجات الشهداء، وكأنها هنّ كلهن، يعلين السنابل للمقاتل، ويطلقن الخيول معه، ويفجّرن الأنهار له، ويشعلن الليل له شمسًا لا تنام؟

"لما تركت أهلي كنت أعرف من هو مازن.. كان أول ما قاله لي حينما كلمني: قد تعيشين معي يومًا واحدًا، أو سنة، أو إلى الأبد، لا أدري متى يكون أجلي، لقد خرجت من السجن، ولكني سأستمر على الطريق ذاتها، ولن أتوقف أبدًا، فهل تقبلين بي؟ قلت له: هذا يشرفني.. لقد جئت إلى غزة وأنا راضية وفخورة بمازن؛ مازن الأسير المحرر، لقد اختارني، ولكني أرجو لو يعود الزمن، وأعرض أنا نفسي عليه.. أخواتي؛ قد تكون بينكن زوجة شهيد، أو أم شهيد، أو أخت شهيد، لست الأولى ولا الأخيرة، يحتاج تحرير فلسطين إلى كثير من الدم، اخترن الزوج المخلص لوطنه، لأنه سيكون مخلصًا لكن، ساندوهم، ولا تخفن.. كنت أعرف ماذا يفعل مازن، وكنت أسانده.. كنت أحبّه جدًّا، كان كل شيء لي، ورغم خوفي عليه، كنت أدعمه.. كان أعظم فخري أنني كنت زوجة الأسير المحرر مازن فقها، لكن فخري الأعظم الآن أنني زوجة الشهيد مازن فقها".

والحق، أنني ورغم جرأتي مرة ثانية على النص بتحويله عن دارجة هند البليغة إلى فصيحتي القاصرة، فإنني ما استطعت اختصاره أكثر، ذلك أنه لا كلمة فائضة، ولا كلمة يمكن الاستغناء عنها، ولا كلمة أقل من أختها امتلاء بالأصالة، وامتدادًا للجذور، ودفقًا بما يكتمه الشهداء وما يقولونه، وتجليًّا بالحقائق التي تضمّها بيوت النّاس الأكثر خيرًا وحبًّا ورضًا؛ فهل مرّت بكم بلاغة مثل هذه؟!

أم تنساب من كل خطوة، زيتونة تنساب من كل خطوة، جرح مصطفى ينساب من كل خطوة، وفي جرح مصطفى تدخل أم مصطفى، تقاسمه الرصاصة ذاتها، كما قاسمته يومًا خبزه.

إلا إن كانت بلاغة سهام نمر، التي وهي تلملم رائحة ابنها الشهيد مصطفى، وتمعن في أيامها معه، وتعيد ترتيب اللغة في قلبها، فتفصح عن أمومتها خالصة، وهي لا تتلو من ذكراه، سوى كلماته القليلة الأخيرة، التي تجسد الابن البارّ، والإنسان الصالح في آخر حضور له في حضن قلبها "اطمئني يا أمي. اشربي دواءك ونامي".. ابنها أجمل الشباب، ابنها حضوره لا يموت، ابنها ترك همسه في صدرها، ابنها همسه لا يموت، ابنها كانت تركض في عينيه، عيناه لا تموت، ابنها كان الفجر يجري في دمه، ابنها نزف وردًا، ابنها نزف وجعًا.

في شرايينها ينزف مصطفى، في عينيها ينزف، وفي تضاعيف وجهها ظلّ ينزف، ومعه تنزف البلاد، والطلقة اللعينة التي اشتهته، خطفته، تنغرس في قلبها، وهذا المدى ملون بالدم، رائحة مصطفى تلوّح العالم، يضيق العالم، ولا يظلّ منه إلا رائحة مصطفى وصاحب الرصاصة التي نثرت الورد من دمه، نثرته على جثته، نثرته في شرايين أمه، وكسرت القمر حزينًا في قلبها، وأغاني الأمهات الحزينة يلحّنها قلبها، وهذا العالم دمعة ورصاصة، دمعة على مصطفى، والرصاصة التي قتلت مصطفى.

يضيق العالم عن هذه البلاغة، ولا يظل للبلاغة إلا أن تنفجر في هذا العالم، أن تشظّيه، أن تمزقه، أن تنعتق من ضيقه، أم مصطفى هي البلاغة كلّها، هي بلاغتنا، هي الجرح الفاضح، هي الصمت البليغ، هي الخطوات الباسقة دمًا إلى دم مصطفى، عتاب ينساب من كل خطوة، حزن ينساب من كل خطوة، ثأر ينساب من كل خطوة، أم تنساب من كل خطوة، زيتونة تنساب من كل خطوة، جرح مصطفى ينساب من كل خطوة، وفي جرح مصطفى تدخل أم مصطفى، تقاسمه الرصاصة ذاتها، كما قاسمته يومًا خبزه، وتقاسمه نزف الورد، كما قاسمته يومًا ملحه، وتعود إلى عينيه، ولكن هذه المرة من جرحه.. استشهدت أم مصطفى، فهل رأيتم أبلغ من أم مصطفى!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة