سعدية مفرح
سعدية مفرح
1.9 k

صور الضحايا.. ننشر أم نمتنع؟

10/4/2017

بعد كل مذبحة تنتشر صور ضحاياها في وسائل الإعلام المختلفة بأوضاع مؤلمة، يثور السؤال عن الأخلاقي واللاأخلاقي في مسألة نشر صور الضحايا وهم على تلك الحالة المفزعة؛ أشلاء ممزقة، دماء متناثرة، أجساد لا يكاد يغطي عريها شيء، ملامح قد شوهتها نيران القصف أو التفجيرات أو الغازات الخانقة، ملامح لم تعد هي الملامح، وجثامين فارقت بشريتها الحية تقريبا لتصير رعباً حقيقياً لكل من يراها، فيتحسس ضميره، وهو يخشى الإطلالة الثانية! يغض النظر أحيانا ومع التكرار غالبا يتخلص من الوخز الأولي حتى يكاد يصبح المشهد عاديا.

 

بعد انتشار صور مجزرة خان شيخون الأخيرة في سوريا قبل أيام، عاد السؤال موزعاً بعدة أسئلة؛ هل يجوز التصوير؟ هل يجوز النشر؟ ما الفائدة؟ من المتضرر؟ ومن المستفيد؟ أين حرمة الموتى؟ وماذا عن مشاعر أهاليهم؟ وفي المقابل؛ كيف كنا سنعرف بأمر المجزرة ونتوثق منها لو لم تنشر الصور؟ كم من الضحايا ذهبوا أدراج اللامبالاة بلا تصوير ولا شهود على لحظة الموت المفزعة؟ ما الذي يضيرهم من نشر صورهم بعد أن حرموا حقهم في الحياة كلها؟ وما معنى حرمة الموت لموتى لم يتمتعوا بحرمة الحياة؟

 

وعلى أثر تلك الأسئلة وفي أجوائها خضت نقاشا حادا مع بعض الزملاء والزميلات في الصحيفة التي أعمل فيها، فقد صدرت صحيفتنا في اليوم التالي لمجزرة خان شيخون بصورة كبيرة على الصفحة الأولى لمجموعة من الأطفال السوريين الذين قضوا نحبهم اختناقا بغاز السارين الذي أطلقته عليهم القوات الروسية بالتعاون مع قوات النظام الحاكم في دمشق! كانت ملامح الأطفال البريئة قد اكتست بالرعب ورائحة الموت تكاد تخترق المسافات لتستقر في نسيج الورق حيث انطبعت الصورة بتفاصيلها الموجعة.

 

لماذا تطغى القيمة الاخبارية والسبق الصحفي على مشاعرنا مهما كانت منفردة أو يتيمة أو بلا قيمة مادية تسندها في شارع الصحافة لنقدم على اختيار أكثر الصور تأثيرا

ولم يكن أمامنا سوى المزيد من الأسئلة؛ فأي وجع علينا أن نصدره للقراء، كصحفيين، بعد كل مجزرة وهي كثيرة؟ أي ألم علينا أن نتكبده، كقراء، مع كل رشفة من رشفات فنجان القهوة الصباحي، حيث نستفتح يومنا مع الجريدة على وجوه مشوهة وعيون منطفئة ودماء تكاد تبلل أصابعنا بينما نقلب الصفحات؟ ثم ماذا عن أهالي وأسر واصدقاء الضحايا؟ كيف يمكن أن نتساهل مع أوجاعهم ونعززها ونجددها مع كل صورة ننشرها لذويهم في لحظاتهم الأخيرة على هذه الأرض؟ لماذا نساهم في أن يكون القتل والتفجير والدماء والأشلاء والموت على هذا النحو المجاني البشع، وبعض الموت أقل بشاعة، من العادي المتاح، ومن مفردات الحياة اليومية؟

 

لماذا نطبّع مشاعرنا مع القتل الجماعي المتعمد في الحروب، وربما في غيرها، كالمجاعات مثلا، بدم بارد؟ لماذا تطغى القيمة الاخبارية والسبق الصحفي على مشاعرنا مهما كانت منفردة أو يتيمة أو بلا قيمة مادية تسندها في شارع الصحافة لنقدم على اختيار أكثر الصور تأثيرا، من وجهة نظرنا الصحفية، وبالتالي أكثرها استثارة للوجع واستدراجا للدموع، كي تكون شاهدة الخبر وتوثيق التقرير؟ لكن.. هل هذه هي حقيقة نشر مثل هذه الصور كاملة فعلا؟ علينا إذن أن نتذكر كم من صورة على بشاعتها الدامية وقسوتها القاتلة ساهمت في تغيير الرأي العام، بما يخدم القضية الانسانية ويلجم النار من الاستمرار في السعير لأكل الأخضر واليابس!

 

ما زال العالم كله يتذكر صورة الطفلة الفيتنامية العارية ركضاً وهلعاً في الشارع خلال الحرب الأمريكية الفيتنامية في مطلع سبعينيات القرن الماضي حيث تصدى لذلك المشهد الموجع مصور التقط صورتها لصالح وكالة أنباء عالمية سرعان ما عممتها على معظم صحف العالم، ليرى من لم يكن قد رأى بعد بشاعة الحرب التي أفرغت عبوات قنابل النابالم في أجساء الأطفال الأبرياء. وما زالت كثير من كليات الإعلام تتخذ من تلك الصورة مثالا على أثر الصحافة الحرة في الرأي العام حيث ساهمت تلك الصورة الشهيرة في ايقاف الحرب لاحقاً تحت ضغط شديد من الرأي العام.

 

وجدتني انحاز على مضض نفسي ووجداني ربما، لخيار نشر صور ضحايا الحروب والتفجيرات مهما كانت بشاعتها، فكل ما تخلفه من ألم في نفوس من يشاهدها لا يعادل ولا يقترب أبدا في قسوته من الألم الذي عاناه الضحايا وهو يودعون الحياة

لم تكن لتشتهي أي أم في العالم أن ترى صورة لطفلتها منشورة على هذا النحو إن مرت بالموقف نفسه، لكن ما أحدثته الصورة، وغيرها، من أثر لا بد أن يصب في صالح مشاعر الأمهات تجاه الحروب القاتلة للأطفال!  حدث هذا في نماذج أخرى كثيرة من الحروب كانت صور الضحايا التي التقطها مصورون وصحفيون مجتهدون ومغامرون ويعرفون معايير مهنتهم جيدا، كالمجازر العديدة التي ارتكبتها اسرائيل في الأراضي العربية منذ مذبحة دير ياسين وحتى الآن مرورا بصبرا وشاتيلا وعناقيد الغضب في جنوب لبنان ومجزرة جنين وغيرها كثير من مجازر ساهم نشر صور نتائجها البشعة في أجساد الضحايا بإحراج إسرائيل ومنعها من الانغماس في تزوير الواقع بعد أن زورت التاريخ!

 

وكما أصبحت صورة طفلة النابالم الفيتنامية أيقونة لبشاعة ما قامت به الولايات المتحدة ضد الفيتناميين في أرضهم، أصبحت صورة محمد الدرة المختبئ وراء ظهر والده تحت وابل من الرصاص الصهيوني أيقونة على بشاعة إسرائيل المستمرة في أرض فلسطين!

 

في نقاشي مع زملائي الصحفيين حول الصورة الأليمة لأطفال يستلقون في حضن الموت اختناقا بالغاز الكيماوي السام التي نشرتها صحيفتنا في صدر الصفحة الأولى تحت عنوان؛ "بشار الكيماوي"، وجدتني انحاز على مضض نفسي ووجداني ربما، لخيار نشر صور ضحايا الحروب والتفجيرات مهما كانت بشاعتها، فكل ما تخلفه من ألم في نفوس من يشاهدها لا يعادل ولا يقترب أبدا في قسوته من الألم الذي عاناه الضحايا وهو يودعون الحياة، فلا أقل إذن من إن نشهد ذلك الوداع موثقا بالفوتوغرافيا.

 

صحيح أن للموت حرمة ينبغي احترامها، كما يقول معارضو نشر مثل تلك الصور، لكن معنى الموت المجاني كوقود للحروب ينبغي أن يظل ماثلا أمام أعينننا دائما. ولهذا فإن توثيق البشاعات التي قام بها الإنسان ضد أخيه الإنسان واجب أكثر من كون خيار مترف، لكي تبقى تلك البشاعة خالدة أمام عيون البشرية وفي ضميرها دائما! ويكفي أن ننشر صور الضحايا تدليلا على بشاعة الجرم وإشارة لاسم المجرم مما يؤلم ويربك هذا المجرم أكثر مما يؤلمنا ويربكنا في صباحاتنا ما بين الجريدة وفنجان القهوة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة