أسامة الصياد
أسامة الصياد
357

دراما الاغتيال: سيناء في مرمى الهدف

11/4/2017

لا يمكن أن يُجَادَل في مسألة الدور الحالي للدراما والسينما في تشكيل أوعية وأذهان الجماهير، لا سيما في ظل الظروف الحالية التي تمر بها المجتمعات العربية من اضطراب وتخبط، حتى باتت الدراما أحد الروافد السهلة التي يستقي منها الجمهور بلا تردد ولا تشويش كما أصاب مصادر تأثير كثيرة حوله. تلك المعلومة ليست حكرًا عليك وحدك، بل هي منظورة أمام الجميع، وبخاصة أنظمة المنطقة وأجهزتها الأمنية التي بالتأكيد لم يفتها أن تسيطر على هذا القطاع الحيوي، وتقرر أن تضع له حدوده شأنه شأن سائر شؤون حياتنا.

 

وبما أننا مقبلون على موسم درامي عربي شهير اختير له شهر رمضان المبارك من كل عام، لعلني حاولت استدراك ما فاتني من أعمال درامية مصرية أُذيعت على مدار رمضانات سابقة، والتي تكون المادة الرئيسية والعمود الفقري الذي تقتات عليها شبكات التليفزيونات العربية المختلفة حتى يحل الموسم الجديد. ولأنني مؤمن بأنه يكفي أن تتابع بعض الأعمال الدرامية، والتي من خلالها يمكن قياس ورؤية انعكاسات التوجهيات الأمنية والروايات الرسمية لما يدور حولنا من وجهة نظر نظام كالنظام المصري الحالي، ودولة أمنية من الطراز الأول أممت كل منفذ إلى المجال العام، قررت أن أخوض التجربة.

 

"المخدرات والسلاح وجميع الأنشطة الخارجة عن القانون موطنها الأصلي في سيناء" هكذا حاول المخرجون والمؤلفون لعدة مسلسلات مصرية أن يقولها صريحة، ولسان حالهم أن هذه الأنشطة حصرية بسيناء

وبعد متابعة عدة مسلسلات أُنتجت في الفترة التي تلت الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013، والتي وبلا شك تمر موادها عبر الرقابات المختلفة، لاحظت أنها تعمل على إيصال رسائل ممنهجة وليست عفوية ربما تطوعًا من القائمين عليها، إن لم يكن جبرًا من جهاز أمني. كانت الحفلة هذه المرة عن سيناء تلك البقعة التي يُقتل ويهجر أهلها حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، تشويه لسيناء وسكانها في أكثر من عمل درامي، إظهارها كمأوى للإرهابيين والخارجين عن القانون، تصويرها كسبب رئيسي في أعمال العنف والإرهاب، وكأن ما حل بسيناء ليس بسبب الفشل الأمني الذريع والسياسات المتردية، وإنما بعوامل ذاتية.

 

"المخدرات والسلاح وجميع الأنشطة الخارجة عن القانون موطنها الأصلي في سيناء" هكذا حاول المخرجون والمؤلفون لعدة مسلسلات مصرية أن يقولها صريحة، ولسان حالهم أن هذه الأنشطة حصرية هناك، دون أن يحاول أحدهم أن يخبرنا عن معدلات الجريمة وتجارة المخدرات وغيرها في المحافظات الأخرى. الإجابة ببساطة أنه هكذا جاءت التعليمات، نريد اغتيال سيناء في ذهن الجمهور، حتى يتسنى لنا تمرير جرائم النظام وتبريرها في هذه الأرض المصرية الممنوعة على المصريين من أن يدخلوها، والممنوعة على الصحافة أن تتناولها بغير الرواية الرسمية.

 

لابد وأنك لن تتعاطف مع أسرة مهجرة من مدينة رفح أو الشيخ زويد، لطالما صوروها على أنها تزرع المخدرات وتهرب البشر، ولن تتعاطف مع عجوز قصف بيتها البسيط عشوائيًا بعدما وصفوا "البدو" الساكنين للحدود بكل نقيصة ونعتوهم بالخيانة ونزعوا عنهم وطنيتهم. لم تكن هذه أولى المحاولات الدرامية ولكنها تجددت مسايرة للجو العام المسعور، فالمتابع للسينما والدراما المصرية يمكن أن يرى محاولات نزع المصرية عن السيناويين واتهامهم بالعمالة للكيان الصهيوني، رغم أن كل الشواهد التاريخية تثني على مقاومتهم لهذا الكيان، وكذا إلصاق كل تهمة وعيب فيهم.

 

أن تتردد الرواية نفسها، وتظهر ذات المشاهد بأفراد مختلفين حاملين رسالة موحدة، يُنبئك هذا بأن الأمر ليس وليد الصدفة، بل هي رواية النظام الفاشل عن سيناء يرسخها عبر أدوات درامية

وعلى صعيد الواقع وهو أمر بكثير من خيالات المؤلفين مُورست كافة أشكال العنصرية ضد أهل سيناء في مؤسسات الدولة، ليعانوا من أقصى درجات التهميش والحرمان من حقوقهم، لمجرد أن مولدهم في سيناء، والآن ها هي الكرّة تُعاد عن طريق مسلسلات "الحرب على الإرهاب"، في محاولة لتحميلهم فاتورة الفشل الأمني الذي حول حياتهم لجحيم تتحكم فيه الآن جماعات عنف مسلحة ترتع دون رادع على أرضهم. هذه الدراما التي أحب أن أسميها باسم "دراما الحرب على الإرهاب" تحاول بشتى الطرق أن تخزن أسوء المفاهيم عن سيناء في العقل الجمعي المصري، لتبرير مزيد من إجراءات القمع والتصفية والتهميش لصالح مخططات مستقبلية مجهولة النسب.

 

أن تتردد الرواية نفسها، وتظهر ذات المشاهد بأفراد مختلفين حاملين رسالة موحدة، يُنبئك هذا بأن الأمر ليس وليد الصدفة، بل هي رواية النظام الفاشل عن سيناء يرسخها عبر أدوات درامية، مستغلًا حالة العجز والضعف الإعلامي التي أصابت أهل سيناء، وعدم مقدرتهم الدفاع عن أنفسهم، بعد إحكام القبضة العسكرية فقط عليهم لا على المسلحين الجائلين طولًا وعرضًا، لنعلم في النهاية أنها دراما الاغتيال المعنوي، وقد وضعت سيناء في مرمى تصويبها.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة