خولة شنوف
خولة شنوف
1.7 k

هزّات البَدَن لا تأتي فُرادى

11/4/2017
معَ كلّ حَدَثٍ سياسيّ يخصُّ سوريا بالذات، تعودُ "هزّاتِ البَدَن" إلى الواجهة، عندما أجدُ نفسي مُضطرةً لتحمّل "نفسيات" مريضة، وقراءة مقالات ومشاهدة حوارات تلفزيونية ونقاشات لا فائدةً منها، للمحلّلين العرب الذينَ انتشروا في كلّ مكان كانتشارِ النار في الهشيم، وما أكثرهُم بينَ صفحاتِ التواصل الاجتماعي، وكأنَّ التحليل السياسيّ غدا مهنةَ مَنْ لا مهنةَ له، وما يزيدُ الطِّينَ بِلَّة عندما تكونُ "هزَّة البدنِ" تلك ممّن يحملونَ الجنسية السورية والمحسوبينَ على الشّعب السوريّ، تقرأُ لهم منشوراتٍ وتعليقاتٍ تحملُ من الكرهِ والحقد والتشفّي الكثير في حق إخوتهم السوريين.


ولكن أعودُ وأقول بيني وبين نفسي مُواسية: إنّها ضريبة الحرية والديمقراطية التي هَتَفَ وحَلُمَ بها كلّ سوريّ وعربيّ حر، وإلاّ فما الذي يُجبرني على قراءةِ منشورٍ في "الفيسبوك" أو "تويتر" يقولُ صاحبه فيه بأنّ الكيماويّ كِذبة اخترعتْها المعارضة وأنّ هؤلاء الأطفال ليسُوا سوى ممثلين أي أنّهم جزءٌ من تلكَ المسرحية ذاتِ الحَبْكة المُحكمة.


لا أعتقدُ بأنّك وسواك تمتلكُونَ أجوبةً مُقنعة، ليسَ بمقدوركِم سوى أن تهزّوا أبداننا معَ كلّ عبارة حقدٍ تلقونها هنا وهناك، ثم تذهبونَ بعدها لتكملوا يومكُم وكأنَّ شيئاً لم يحدُث في تلك البلادِ المنسيّة.

يقولها ذلك "الفَهْلَوي" بدمٍ بارد وهو يجلسُ مع "أركيلته" يتغزّلُ ببناتِ "أوروبا" الجميلات، يقولها وهو يأكلُ ويشربُ على حسابِ مَن قُتلوا هناك، في خان شيخون، وفي الغوطة، وفي كلّ شبرٍ من سوريا.


ما الذي يُجبرني أيضاً على تحمّل نقاشٍ عقيم مع مَن يضعونَ أنفُسَهم في خانةِ "الرماديين" أو "الحياديين" في حين كلّ الدلائل من البداية تشيرُ إلى أنّهم من جماعة:" إذا راح بشّار مين رح يجي بدالو " وتكتملُ "هزّات البدن" وأنا استعرضُ تحليلاتهم التي تشير جميعُها إلى أنّ المعارضةَ هي مَن ألقتْ بتلكَ الصواريخ لتقتل نفسَها، باعتبارِ أنّ حكّامنا الطواغيت يمتلكونَ قلباً رحيماً وذكاءً حادّاً يمنعُهم من ارتكابِ جريمةٍ إنسانيةٍ كَهذه.


وكأنَّ تاريخنا العربيّ يخلو من جرائمَ مُماثلة، ولنا في "حلبجة" ألفُ عبرةٍ ومَثَل، وهنا يخطرُ في بالي عدّةُ أسئلةٍ لصاحبِ المنشوراتِ الشّامتة والمكذّبة لقصة الكيماويّ، الجالسِ وراء شاشتِهِ الصّغيرة، مُنظّراً ومحلّلاً و"مُتفزلكاً" كذلك.. أسئلة لمْ أجدْ لها جواباً لحد الآن: " لماذا تركتَ سوريا يا عزيزي بما أنّك من المؤيدين ونظامُك البطل يحققُ انتصاراتٍ مذهلة ويقضي على كلّ الإرهابيين.


لماذا تطلبُ اللجوء وأنتَ على ثقةٍ من انتصاراتِ قائدك؟ لماذا تخلّيتَ عن بلدك وهي بأمسِّ الحاجةِ لك ولِصُدُورِ اخوتكَ العاريّة. طالما أنّها "خِلْصِتْ" ولم يبقى سوى القليل وتتطّهر أرضُك الطيّبة من الخَوَنَة."؟


لا أعتقدُ بأنّك وسواك تمتلكُونَ أجوبةً مُقنعة، ليسَ بمقدوركِم سوى أن تهزّوا أبداننا معَ كلّ عبارة حقدٍ تلقونها هنا وهناك، ثم تذهبونَ بعدها لتكملوا يومكُم وكأنَّ شيئاً لم يحدُث في تلك البلادِ المنسيّة.


بعدَ الهجوم الأمريكيّ على مطارِ "الشُّعيرات" العسكريّ الذي خرجَتْ منه صواريخُ النظام لتقصفَ خان شيخون بالكيماويّ انقسمَ العربُ كعادتهم إلى:
- مؤيّد للضربة.
- ومُعارض لها.
- وحياديّ وهو الأخطر دائماً.


عادت إلى الواجهةِ أسطوانةُ العراق والحربِ عليها وكأنّنا نسينا تلكَ الحرب، ليعودَ ويذكرنا بها وبأحداثها، المُمانعون والقومجيّون العرب، متناسينَ أن صدّام كما بشار كلاهُما دكتاتور وطاغية، وهم مَن أوصلوا بلدانهم إلى الحالِ التي هيَ عليه الآن.


المؤيّدُ للضربة: أغلبهم من المُعادينَ لنظامِ الأسد وسياسته، منهم مَن رأى بأنّه آن الأوان ليقفَ عند حدّه ولا مجال لذلكَ سوى بالاستعانةِ بالدول العظمى كأمريكا، ومنهم مَن رأى أنّ الشّعب السوريّ لا يستحقُ كلّ ما حدثَ ويحدُثُ له خاصةً بعد الخِذلان العربيّ والعالميّ وبالتالي أيُّ ضربةٍ سيكونُ من ورائها سقوطُ الأسد، وإن كان احتمال ضعيف سَيباركُها، لأنّ الغريقُ يتعلّقُ بقشّةٍ مُهترئةٍ أحياناً، حتّى وإنْ كانتْ تلكَ الضربة والقشّة مجردّ "قرصةِ أذن" تأتي خفيفة ولكنّها دونَ ألمٍ كبير.


نجحوا في استنساخِ كائناتٍ صغيرة تشبههم، تبرّر لهم ما يفعلونَ من مجازر جماعية، تصفقُ لهم بعد كلّ خطاب، وتحملُ عنهم عبءَ المناظرات.. ترفعُ صورهم في كلّ مكان مع عبارة "بالرّوح بالدّم نفديك" كائناتٍ وُلدوا ليجدوا أنفسَهم يحملونَ عدّة أسماءٍ بمعنًى واحد.

المُعارضُ للضربة: همْ عادةً من المؤيدين لنظامِ الأسد أو ممّن يُخفون تأييدهم له، يؤمنونَ بالعروبة ديناً والقوميةِ وطناً، والمقاومةِ سلاحاً والمؤامرةِ حجّة، يجدونَ في الضربة الأميركية على سوريا بدايةَ احتلال جديدٍ شبيهٍ باحتلالها للعراق، لم نسمعْ لهم صوتاً عندما كانتْ روسيا تستبيحُ سماءَ سوريا صباحاً ومساءً، ولم تصدحْ حناجرُهم بكلمةِ تنديدٍ واحدة عندما كانَ لإسرائيل وأمريكا وإيران صولاتٌ وجولاتٌ فوقَ سماءِ سوريا، بل اكتفوا بالصّمت والترقّب الذي لا طائلَ منه.


تجد من بين هؤلاء أيضاً فئة ممّن يطالبونَ بالحرية والديمقراطية في بلدانهم، يدعونَ لإسقاط رئيسهِم والانتفاضِ عليه ب "كفى" وسِوَاها، يُلقبّونَ أنفُسَهم ب "دُعاة الحريّة والنّضال والمقاومة" وهمْ أبعدُ ما يكونُ عنها، وكأنَّ الحريةَ حلالٌ عليهم، حرامٌ على الشّعبِ السوريّ، من صفاتهم أيضاً أنّهم يؤمنون بحزب اللهِ حزباً مقاوماً مردّدين:"ألاَ إنّ حزبَ اللهِ هُمُ الغالبون".


 الحياديّ أو الرماديّ، يقول فرانكلين روزفلت: "حتّى الشّخصُ الحياديّ لا يمكنُ أن يُطلبَ منه أنْ يُوقِفَ ذهنه أو يُوقِفَ ضميره" إلاّ أنّ الحياديّ في وقتنا بلا ضمير، اتّخذ من قول عليّ بن أبي طالب شعارَه فهو كما قال عنه: "خَذَلَ الحق ولم ينصُرِ الباطل".


يتّصفُ الحياديّ بأنّه أكثرُ شخصٍ يُصيبُ مَن حولَه "بالجَّلَطَات" اختارَ أن يقفَ متفرّجاً إلى صفّ مَنْ سَترجحُ الكفَّة ليحدّدَ بعدها طريقَه وموقفَه، لا يهمه مِمَّا يحدُثُ حولَه سوى مصلحته الشخصيّة، لا يزال يستشيرُ عقلَه في مسألةِ مَنْ قصف الغوطة وخان شيخون بالكيماويّ؟  بشّار الأسد أم المعارضة؟


حتّى وإنْ قُدّمَت الدلائلُ له على أنّ النّظام مَن قصفَ شعبَه سيبقى يتساءل نافياً عن نفسه تهمة أن يكون مؤيّداً في حين أنه قد حدّدَ مُسبقاً إلى جانبِ مَن سيقف.


ولأنّ "هزّات البَدن" كما المصائب لا تأتي فُرادى.. فقد نجحتْ أنظمتنا العربيّة المستبدّة في جعلنا نندمُ عليها بعد سقوطها، أصبحَ بإمكانها الآن إسكاتُنا وتخويفنا وجعلنا نتّحسر عليها ونحن نراقبُ نتائجِ الثورات الأخرى، بألم وحرقة.. لا تفتأُ تذكرنا عند أوّل كلمة "لا" نريدُ قولَها بما حدثَ في العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن وتونس، لتنسينا ما نطالبُها به من حقوق وواجبات.


تخيفُنا من عدوّ خارجيّ ومحتل قائلين: إيّاكم واستبدالَنا بالغُزاة" وهُم مَن جلبوا كلّ أشكال الاحتلال إلى عقر ديارنا بأيديهم ورغبتهم، لأنّهم يضعونَ كرَمَهم دائماً في غيرِ محلّه، 
يتناولونَ كلمةَ "مؤامرة" كما الدواء ثلاثَ مراتٍ في اليوم، حتى فقدتِ الكلمةُ معناها الحقيقيّ وأصبحتْ على لسانِ كلّ المجرمين والقَتَلة والرُّعاع.


بل ونجحوا أيضاً في استنساخِ كائناتٍ صغيرة تشبههم، تبرّر لهم ما يفعلونَ من مجازر جماعية، تصفقُ لهم بعد كلّ خطاب، وتحملُ عنهم عبءَ المناظرات.. 
ترفعُ صورهم في كلّ مكان مع عبارة "بالرّوح بالدّم نفديك" كائناتٍ وُلدوا ليجدوا أنفسَهم يحملونَ عدّة أسماءٍ بمعنًى واحد، فهنيئاً لهم ولأنظمتهم بما زرعوا وبما سيحصدون.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة