أرنولد توينبي والقضية الفلسطينية

13/4/2017
"إنني واحد من البشر.. ولذلك فليس ثمة شيء إنساني لا أشعر نحوه باهتمام بالغ."

- الشاعر الروماني تيرانس.

 

من الطريف أن تكون حياة أحد أكبر المؤرخين في العصر المنصرم نتيجة خطأ جغرافي. يحكي لنا أرنولد توينبي في كتابه "تجارب" الذي أصدره بمناسبة بلوغه الثمانين عامًا، ليقول لنا في بدايته أنه لم يكن من المفترض أن يعيش كل هذا العمر، "وأن خطأ ما على خريطة العالم حصل، جعله يعيش كل هذا العمر" فقد ولد هذا المؤرخ العظيم في عام 1889 وعاصر الحربين العالميتين وكان من المفترض أن يحمل سلاحه في الأولى منها ولكن عيبًا خَلقيا أنقذه من الجندية وصرفه لدراسة التاريخ. لا نعرف الكثير عن تفاصيل هذا العيب ولكن كل قارئ لما كتبه توينبي يثني ويحمد هذا القدر الحلو.

 

يكتب إليك "توينبي" بخبرة عريضة بعد اطلاع طويل على التاريخ البشري وبروحٍ إنسانية مشفقة؛ يتفاءل قليلًا ويتشاءم مرات من مستقبل هذه المخلوق المزعج المسمى إنسانًا.

وكتاب التجارب هذا لتوينبي ليس ذائع الصيت، فقد سألت غير واحد من المختصين بالتاريخ والمولعين بقراءة الكتب فلم ألقَ عندهم خبرًا عنه، وقد كتب عنه الأستاذ "أحمد السعدني" مقالا جميلا في مجلة "الفكر المعاصر" عام 1969 عدد شهر سبتمبر؛ بلغ به قريبا من الغاية ولم يصلها. وما يعنيك من هذا كله أن الرجل يكتب إليك بخبرة عريضة بعد اطلاع طويل على التاريخ البشري وبروح إنسانية مشفقة؛ يتفاءل قليلًا ويتشاءم مرات من مستقبل هذه المخلوق المزعج المسمى إنسانًا.

 

قرأ توينبي لـ "أزوالد شبنجلر" فرأى الرجل يسوق الحضارة الغربية إلى القبر في كتابه "أفول الغرب" إذ كان مزاج النهاية شائعًا في ذلك الوقت بعد انتهاء الحرب العالمي؛ فلبس توينبي معطف الطبيب -والوصف للحاج مير- وراح يشخِّص أمراض الحضارة الغربية وينفث فيها من عقده وينبهها لأدوائها.

 

جعلت لعرّاف اليمامة حُكمَهُ..

وعرّاف نجدٍ إن هما شفياني.

فقالا نعم، نشفي من الداء كله..

وقاما مع العوّاد يبتدراني.

فلم يتركا من رقيةٍ يعلمانها ..

ولا سَلوةٍ إلا وقد سقياني.

فقالا: شفاكَ الله! والله ما لنا..

بما ضُمّنت منك الضلوع يدانِ.

 

كان توينبي مسيحيًا صالحًا وكان يرى دراسة التاريخ "على أنها نداء الله للبحث عنه والعثور عليه، فالتاريخ هو رؤية وإن كانت رؤية جزئية وضعيفة لله وهو يفصح عن نفسه في أفعاله لأرواح تنشده بإخلاص".

 

يجد القارئ لأرنولد حسا نقديًا واعيًا وتحليلات صالحة لقيام وسقوط الحضارات على هذا الكوكب ويجد في أحيان كثيرة انحيازات للعدالة والخير، وهذا شيء لافت لامرئ قلّبَ تاريخ البشر بطنًا لظهر وظهرًا لبطن فوجد أن العدالة فيه عبارة عن ومضات سريعة في ليل بهيم حالك.

 

أما القارئ العربي فيحسُنُ بعد اطِّلاعِهِ لترجمة "شفيق غربال" لمختصر تاريخ البشرية له أن يطلع على آراء توينبي في القضية الفلسطينية وما يعبر عنه هو "بالنقطة السوداء في تاريخ الغرب" فقد كان توينبي شاهد عيان على وعد بلفور الشرير؛ والوصف لتوينبي فهو لا يتردد في وصف بلفور بـ"Wicked man"  فإن قلت لي قد عرفنا صفته بقولك شرير فما فائدة "Wicked" قلتُ ليس فيها فائدة، غير أني أردتُ أن أُشعر القارئ أني أُحسن لغة العجم، وهو شيء يتعاطاه الكتّاب كثيرًا اليوم، فإن رأيتم كاتبًا يصنعه فالتفت إلى من بجوارك وقل له إن فلانًا يحسن الإنجليزية!. سُخف.

 

غادر أرنولد توينبي العالم بعد أن كرَّس حياته لدراسة حضاراته ببريطانيا عام 1975 بهدوء ولم يستطع أن يحقق أمنيته في أن يُخرِجَ لِجُباةِ الضرائب لسانه بعد موته.

يرى توينبي في القضية الفلسطينية قضية إنسانية ولذلك فهو منحازٌ للعرب الفلسطينيين ويرى أن ما فعلته حكومة بلاده هو عبارة عن جريمة منظمة بإحلالها لليهود وإعطائهم وعدًا بوطنٍ قوميٍّ لهم على حساب آخرين أنبتتهم تلكم الأرض. في حوارٍ معه عام 1973 نشرته جامعة كاليفورنيا في مجلة "الدراسات الفلسطينية"؛ يصف موقفه الحاسم من الاحتلال الصهيوني وأن الحل المثالي هو الاستعادة الكاملة لفلسطين واسترجاع أهلها لها. ثم يقف موقف الحكيم ويخبر محاوره أنه يجد نفسه في أحيان كثيرة حين يتعرض لقضايا شائكة مثل هذه وقد تنازعه نازعان؛ نازع العدالة ونازع السلم. والرجل مُحِبٌّ لكليهما. ثم يُحدِّثُهُ عن الممكن وإكراهات الواقع وتقصير العربِ وسذاجتهم السياسية، وينتهي إلى حل الدولة الواحدة للأغلبية الفلسطينية والأقلية اليهودية.

 

وهذا حلٌّ تبنّاه اليسارُ قديمًا، ثم نبتت نابتةُ من الإسلاميين مؤخرًا تتبنى هذا الحل وتُبَشِّرُ به، وأنه حلٌّ واقعيٌّ مع عدوٍّ قوي لا نملك القوة المادية لإزالته، واسترجاع الأرض. ويتسلحون بسلاح القوة السكانية ومعركة الديموغرافيا (كان يمكنني أن أعبّر بالسكّانية بدلًا من "الديموغرافية" ولكني أحببت أن أذكرك بمعرفتي بلغة العجم وأني أحسن كتابتها بالحرف العربي وهذا ضربٌ آخر من الكتّاب اليوم الذين يحبون التظاهر بمعرفة لغة أجنبية ويخافون من فخّ الخطأ في هجاء الكلمة الإنجليزية فيكتبونها بالحرف العربي) ويشكل على هذا الحل "الواقعي" أنه خيالٌ ملبّسُ بالواقعية. وبيان ذلك في نقاط:

 

أولها أن العدو الصهيوني لا يقبله ولن يقبله. وهذا معنى انعدام واقعيته. وثانيها أنه تضييع لِلُبِّ القضية وجوهرها وتحويلها من قضية احتلال وغصب إلى قضية تمييز عنصري ومطالبة بحقوق المواطنة. وثالثها انعدام الضمانات في نجاح نموذج الدولة الواحدة فلا ضامن لحصول المواطن الفلسطيني على أي حق ما دام ميزان القوة يرجح بالصهاينة في ظل هذه الدولة الواحدة. ورابعها أنه يعول على سياسة الإحراج للغرب ووجه سياسة الغرب خالٍ من ماء الحياء.

 

غادر أرنولد توينبي العالم بعد أن كرَّس حياته لدراسة حضاراته ببريطانيا عام 1975 بهدوء ولم يستطع أن يحقق أمنيته في أن يُخرِجَ لِجُباةِ الضرائب لسانه بعد موته.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة