بيسان الشيخ
بيسان الشيخ
481

غداة "خان شيخون".. صحافي يتلو فعل الندامة

13/4/2017

متى تصبح سلامة الصحافي أهم من نقل الحدث؟ ومن يقرر تلك الأهمية ويحسم الخيار فيها؟ ووفق أي معايير في زمن بات "الناشطون الإعلاميون" المنتشرون في ميادين المعارك ينافسون الصحافيين المحترفين على نقل الخبر والمعلومة، فيما لا تزال الحاجة ملحة للتدقيق والحرفية في تغطية النزاعات؟

 

بالنسبة لجيل كامل من الصحافيين ممن لم يودع الصحافة التقليدية بشكل كلي ليعتنق الرقمي منها والحديث، لا تزال أسئلة كثيرة أخرى تطرح بشكل يومي ومقلق من دون أن تجد بالضرورة إجابات. وفي عصر بات الميل العام للشباب في مختلف القطاعات يتجه نحو العمل الحر كـ "فري لانسر" تخففاً من أعباء الوظيفة وقيودها وتراتبيتها في اتخاذ القرار، يبقى أن قطاع الإعلام لا يزال متمسكاً بـ "المؤسسة" بصفتها ضمانة مهنية واجتماعية طويلة الأجل. لكن ذلك لا يحصل طبعاً بالمجان ولا من دون أثمان معنوية قبل أي شيء آخر. فالأمان الوظيفي، يأتي أحياناً، لا بل غالباً، على حساب الاندفاع المهني نفسه، وهوامش الابتكار، وقدرة الفرد (الصحافي) على مواجهة السلطة، أي سلطة.

 

أسئلة في صميم المهنة وشجونها، تخطر في البال على خلفية حادثة جرت في إحدى غرف الاخبار غداة اعتداء "خان شيخون" الأخير:

 

يتصل صحافي برئيس تحريره بعد ليلة لم يذق فيها طعم النوم. فقد أتيح له أن يدخل "خان شيخون" غداة الضربة الكيماوية وكان الوقت متأخراً جداً ليتصل بالمسؤول ويبلغه بالأمر. قضى الليل يعد العدة ويفكر ويضع احتمالات. يرتفع في دمه أدرينالين العمل الميداني واسترجع تغطيات سابقة قطعت أنفاسه ورفعت رصيده المهني قبل عصر الاستعراض الفايسبوكي. لا يصدق كيف انبلج الصباح ليتصل ويطرح الـ "سكوب" الذي سيحرزه من "خان شيخون". أخذته الحماسة، وبدأ يستبق مراحل طرح القصة الصحافية (pitching) بأنه أنجز المعاملات والموافقات الأمنية، ولم يبق له إلا الانتقال الفعلي إلى مكان الحدث... إلى صلب الخبر.

 

لا يصدق الصحفي أن سلامته وأمنه أصبحا فجأة أولوية "المؤسسة" الإعلامية، فيما زملاء آخرون يغطون وبشكل يومي، الأحداث الدامية من اليمن إلى العراق وسورية نفسها. يقدر خوف المسؤول، لكنه لا يقنعه

المسؤول يقود سيارته ولا يمكنه التحدث على الهاتف تفادياً لضبط الشرطة. كاد أن يطلب منه التنحي جانباً لأن المسألة مهمة، لكنه قاطعه بالقول إنه سيعاود الاتصال. وبالفعل اتصل بعد نحو ساعتين قضاهما المراسل على جمر.

 

-      "خان شيخون"؟؟ لا لا طبعاً لا. الوضع خطير! وسلامتك أهم من أي خبر.

-      عفواً؟ أنا أيضاً حريص على سلامتي... وهذه مخاطرة محسوبة. وسبق لي أن غطيت نزاعات و...

-      رجاء لا تصر.

-      لكن الصحافة الأجنبية ستدخل...

-      لا يهمني... انشالله بفرصة ثانية.

-      ولكن... يا أستاذ...

 

هل حقاً سمع "فرصة ثانية" أم شبه له؟؟ هل يعقل أن تحدث ضربة كيماوية ثانية ويعتبر ذلك "فرصة"؟؟ لا يصدق أن سلامته وأمنه أصبحا فجأة أولوية "المؤسسة"، فيما زملاء آخرون يغطون وبشكل يومي، الأحداث الدامية من اليمن إلى العراق وسورية نفسها. يقدر خوف المسؤول، لكنه لا يقنعه. تتآكله الرغبة بالشغب على "المؤسسة"/ السلطة واللعب بغير قواعد اللعبة. هو صحافي، وليس موظف بنك، والمخاطرة جزء من عمله. فهل يقطع تلك الشعرة ويدخل إلى سورية بجميع الأحوال متجاهلاً قرار الإدارة؟ لكن ذلك ليس من أدبيات المهنة. ذلك دأب "الناشطين" المتطوعين وليس أبناء الكار من المحترفين.

 

هل يدخل وينشر في مكان آخر؟ فقد بات ذلك متاحاً اليوم... ولو حتى على صفحته الشخصية على "فايسبوك"، هناك حيث القراءات تعد بالمئات. لكن ذلك يخرق بدوره أدبيات المهنة ويعفي المؤسسة من مسؤلياتها حيال فريق عملها. يعود ويفكر إن تلك القواعد والشروط تعود أصلاً الى عصر "المؤسسة" بصفتها establishment. أما الآن... فهو عصر الأفراد، والفضاءات المفتوحة والصفحات الشخصية. إنه عصر النشر على "تويتر" و"فايسبوك".

 

يحتار في أمره. يشاور زملاء فتأتي الإجابات محيرة أكثر. يلتزم القرار ويستسلم مباشرة للندم. فلو أتيح للصحافي تغطية "حلبجة" العراقية، أو "حماة" السورية، أو أي مأساة من تلك المآسي المتوالدة في بلادنا، هل كان له أن يقول لا؟ أو يقف عند قرار إداري؟

 

أين تقف حدود خياره الفردي وأين يصبح قراره ملك "المؤسسة"؟ ربما فعل الصواب، لكنه يعلم أيضاً إن تلك الرغبة بضرب الأدبيات في عرض الحائط لم تأت من عدم. كان ليكتب ذات يوم فيقول ذهبت، ورأيت، وشهدت... وكان ذلك ليكون عين الصواب أيضاً.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة