د. معتز الخطيب
د. معتز الخطيب
2.7 k

دفاعًا عن استحالة "الدولة الإسلامية" (1)

14/4/2017
انتهيتُ في مقالي السابق إلى غموض مفهوم "الدولة الإسلامية" الذي هو تعبيرٌ حديثٌ لا ينتمي إلى التراث الإسلامي؛ بالرغم من انتسابه إليه، فهو يلتبس -عند الدعاة إليه- بجملة مفاهيم (الدولة الحديثة، الخلافة، الإمامة، الحُكم)، ولذلك لم تفلح كتابات الإسلاميين في تقديم تنظير فكري أو فقهي متماسك له. ومن هنا يمثل كتاب وائل حلاق (الدولة المستحيلة، 2013) عملاً تأسيسيًّا في إيضاح "نموذج الدولة الحديثة" الذي يوجه له نقدًا صارمًا؛ مستعينًا بنخبة كبيرة من الفلاسفة والمفكرين الغربيين.

ولأن "حلاق" يرى أن "الدولة الحديثة" هي مُنتَج غربيٌّ، فإنه استعمل تعبيرًا مغايرًا للحديث عن صيغة "الدولة التاريخية" التي عرفها المسلمون قبل الحقبة الاستعمارية، هذا التعبير هو: "الحكم الإسلامي".

وليتسنى له المقارنة بين نموذجي "الدولة الحديثة" و"الحكم الإسلامي" لجأ إلى فكرة "النموذج" لا البحث في المفاهيم المجردة للدولة أو الحكم، فالنموذج - وهو مفهوم مركزي في الكتاب - يعني نظامًا من المعرفة والممارسة معًا، فهو يجمع بين الظواهر النظرية المختلفة وممارساتها، ويحدد القوى المُحرِّكة في الأنظمة والعلاقات والبنى المفهومية. فمفهوم "الحكم الإسلامي النموذجي" (1) يعني مركزية القيم الأخلاقية التي تظل أهدافًا مرجوة سواءٌ تَحققت أم لم تتحقق، (2) ويسمح بالتعدد في إطار الوحدة، وبالاستثناءات والانتهاكات أيضًا والانحراف الطبيعي، وذلك على خلاف ما تَوَهم بعض منتقديه من أنه يتحدث عن "الحكم الإسلامي الصحيح" أو أن مفهومه للشريعة مفهومٌ "مثاليٌّ".

يبني حلاق على فكرة "كارل شميت" عن "النطاق المركزي" و"النطاقات الهامشية"، فيتحدث عن نطاق مركزي ونطاق ثانوي، وعلاقة جدلية بينهما، ومن هنا فإنه يرى أن الشريعة بوصفها نطاقًا مركزيًّا للأخلاقي لا تمثل - فقط - نِدًّا للتنوير والنطاقِ الأخلاقي الناتج عنه، بل تملك الشريعة أيضًا أن تكون ينبوعًا أخلاقيًّا هاديًا. وفكرة النطاق المركزي الأخلاقي تساعده على تجاوز "تهمة" الماضوية؛ لأن المبادئ الأخلاقية يجوز استدعاؤها من الماضي والحاضر، كما أن استدعاء نموذج الحكم الإسلامي هو على نفس القدر من المعقولية والمشروعية مثل استدعاء أرسطو وكانط وغيرهما.

جوهر كتاب حلاق هو الاستعادة الأخلاقية للشريعة لا استبعادها؛ بحجة أنها غير صالحة للأزمنة الحديثة، أي أنه يقترح إعادة الصياغة المبدعة للشريعة والحكم الإسلاميّين؛ لأنها أفضل الطرق لإعادة تشكيل الحداثة.
فالكتاب إذن "مقالٌ في الفكر الأخلاقيّ أكثر من كونه تعليقًا على النواحي السياسية أو القانونية"، ويتوجه أصالةً إلى نقد الحداثة الغربية وأن مأزقها المركزي هو مأزق أخلاقيّ؛ لأن جوهر مشروعها يقوم على "تقهقر الأمر الأخلاقي إلى مرتبة ثانوية وفصله - بصورة عامة - عن العلم والاقتصاد والقانون وما إلى ذلك"، والدولة هي من أهم الفاعلين في هذا المشروع، ومن هنا تأتي - في نظره - ضرورة البحث عن مصادر أخلاقية في تقاليد أخرى غير تقاليد الحداثة، وهو أمرٌ شغَل عددًا من المفكرين مثل ألسدير ماكنتاير وتشارلز تايلور وتشارلز لارمور.

وإذا كان هؤلاء قد اقتصروا في البحث على التراث الأوربي (أفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني) فإن حلاق يرجع إلى المصادر الأخلاقية الإسلامية قبل الحديثة التي أمكنته من الحديث عن "حكم إسلامي نموذجي"، هو حكم شريعة ما قبل العصر الحديث، وهي - في الجوهر - قانون أخلاقيّ متعارَف عليه ومتفاعل مع الأعراف المحلية حتى غدا القوة العليا قانونيًّا وأخلاقيًّا وقَبِلته المجتمعات والسلالات تاريخيًّا كنظام مركزيّ فيما قبل الحقبة الاستعمارية.

فحلاق وجّه نقدًا جذريًّا لأيديولوجيا "الدولة الإسلامية"، ولمشروع التلاؤم مع الحداثة؛ المشروع الذي لا يعي التناقض الجوهري الذي يعيشه؛ وذلك لاختلاف البنى الدستورية لكل من الدولة الحديثة والحكم الإسلامي وهو اختلاف دستوري نوعي، ولأن الدولة القومية الحديثة والحكم الإسلامي يميلان إلى إنتاج مجالين مختلفين من تكوين الذاتية، فالذوات التي ينتجها هذان المجالان النموذجيان تتباين تبايُنًا كبيرًا، الأمر الذي يولّد نوعين مختلفين من التصورات الأخلاقية والسياسية والمعرفية والنفسية والاجتماعية للعالم.

الأمر الثاني الذي يساعدنا على فهم حلاق: فهم السياق الذي يَزخر بدراسات عديدة توجهت لدرس الإصلاح الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر ورصدت تَشَكل الدولة الآخذة في الحداثة.
كتاب حلاق كتابٌ عميق وشديد التركيب حتى قال مارك ويلتون (Mark Welton): إنه لا يمكن استيعابه من أول مرة، وأرى أنه لا يمكن فهمه إلا في سياق أمرين:
الأمر الأول: المعرفة بدراسات حلاق الكثيفة والعميقة في تاريخ الفقه الإسلامي، وبنقده للسرديات الاستشراقية عن الفقه والتاريخ الإسلامي.

فالجهلُ بهذا كله كشف عن سطحية بعض نقاده وقلة معرفهم، بل واتهام نواياه أحيانًا بطريقة مُسفّة. فجوهر كتاب حلاق هو الاستعادة الأخلاقية للشريعة لا استبعادها؛ بحجة أنها غير صالحة للأزمنة الحديثة، أي أنه يقترح إعادة الصياغة المبدعة للشريعة والحكم الإسلاميّين؛ لأنها أفضل الطرق لإعادة تشكيل الحداثة التي هي بحاجة ماسة إلى إعادة البناء والتكوين على أسس أخلاقية، وكان قد نشر (2009) دراسة مهمة وضع فيها أساسًا نظريًّا للقانون الأخلاقي بالاستناد إلى القرآن والشريعة، وأوضح فيها أن الفصل بين القانوني والأخلاقي هو من صنيع الحداثة، ولا وجود له لا في القرآن ولا في شريعة ما قبل الأزمنة الحديثة، كما أن هذا التشريع الأخلاقي كان من فعل الفقهاء والجماعة، على خلاف استئثار الدولة الحديثة بالتشريع.

وقد استفز الكتاب فئتين من الناس: فئة المتوائمين الجدد مع الحداثة؛ لأنه يهدم تصوراتهم "الإيمانية" التي عاشوا عليها زمنًا، وفئة العلمانيين الذين يُزعجهم هذا الموقف الإيجابي من شريعة ما قبل الحقبة الاستعمارية والتاريخ الإسلامي وهو موقفٌ يتأسس على عمل بحثي رصين لعقود فند فيها حلاق المقولات الاستشراقية التي يتبناها بعض مثقفينا اليوم، فحتى أبو يعرب المرزوقي الذي يمارس تأملاته الفلسفية أساء فهم حلاق واتهم نواياه، توصل إلى أن حلاق "مدح صورة كاريكاتورية لدولة الإسلام لا توجد إلا في خطاب فقهاء التخلف وليس في حقيقة التاريخ"، أي أنه وقع ضحية التصور الاستشراقي الذي ينظر إلى "نظام التقليد" بوصفه "مادة جامدة وغير متغيرة في زمن متجانس" على حد تعبير طلال أسد الذي يفند مثل هذه الأوهام عن التقليد والحداثة.

ومن الطريف أنه في حين أن المرزوقي يضع كتاب حلاق في سياق القائلين بصدام الحضارات، فإن نيجوين يافاري (NEGUIN YAVARI) يفهم أن الحجة الأساسية للكتاب هي أن التفاوض الخطابي (discursive negotiation) بين الشرق والغرب لن يسهم فقط في إرساء السلام العالمي، ولكن أيضًا في توليد نهج جديد وأصيل للتخفيف من علل الحداثة. فعلى المسلمين أن يتخلوا عن محاولة أسلمة الدولة الحديثة، وعلى الغربيين إصلاح الأخلاقيات الحديثة، وبهذا يتجاوز المسلمون الأزمة التي اعترت تاريخهم الحديث ويعيد الغربيون إعادة استثمار ذاتيتهم بفعالية إنسانية أخلاقية.

النقد الأخلاقي للحداثة يدفع إلى استحضار مشروع طه عبد الرحمن الذي قدّم نقدًا أخلاقيًّا ومنهجيًّا للحداثة ودولتها، والذي يحظى بإشادة كبيرة من حلاق ويُشكل أحدَ مصادره.
الأمر الثاني الذي يساعدنا على فهم حلاق: فهم السياق الذي يَزخر بدراسات عديدة توجهت لدرس الإصلاح الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر ورصدت تَشَكل الدولة الآخذة في الحداثة، والتطورات التي رافقت ذلك ومن أبرزها: (1) مركزية سلطة الدولة، (2) وتأسيس مؤسسات جديدة للدولة، (3) وتوحيد طرق قياس القوانين الإدارية، (مثل دراسة يعقوب سكفرد، بريل، 1997)، والتدخلات الاستعمارية في الصياغات القانونية والتغيرات الاجتماعية (مثل دراسات طارق البشري).

فالتغيرات الاجتماعية والثقافية التي طرأت أواخر القرن التاسع عشر أوجدت الشروط الأساسية للحداثة العلمانية، من قبيل السلطة السياسية للدولة القومية، وسلطة الأسرة الأخلاقية، وحجر الأساس في هذا هو التمييز بين القانون الذي تجسده وتملكه الدولة، والأخلاق التي هي محط الاهتمام الذهني للشخص المسؤول والذي تولده الأسرة (كما يوضح طلال أسد)، ومن دون فهم هذه الأدبيات الكثيرة التي تدرس هذه الحقبة وتغيراتها، ستبقى التعليقات على حلاق تأملات شخصية أو خطابًا شعبويًّا.

وفي الختام، لا بد من القول: إن هذا النقد الأخلاقي للحداثة يدفع إلى استحضار مشروع طه عبد الرحمن الذي قدّم نقدًا أخلاقيًّا ومنهجيًّا للحداثة ودولتها، والذي يحظى بإشادة كبيرة من حلاق ويُشكل أحدَ مصادره، وطه نقَد - بعمق - العمل السياسي الذي هو ممارسة للتسيد والتسلط في مقابل التعبّد، وكشف عن تورط الإسلاميين سنةً وشيعةً في مشروع التسيد الحداثي تحت مسمى "الإسلام دين ودولة".

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة