دسوقي أحمد
دسوقي أحمد
3.6 k

في رثاء من رحلوا دون دواء

14/4/2017

قبل خمس سنوات، وتحديدًا بعد ثلاثة شهور من بدءِ العمل طبيبًا بأحد مستشفيات وسطِ ألمانيا، شاء الله أن يبتليني بمرض يستلزم علاجًا طويلًا مكثفًا لمدة سنة على الأقل. أذكر يوم أبلغني طبيبي المعالج بالأمر وقد داهمني ساعتها خوفٌ عظيم وقلقٌ ما بعده قلق. أسررتُ يومها إلى أصدقائي: لازلتُ مكتوبًا في هذه البلاد بقلم رصاص! وهو تعبيرٌ نستخدمه نحن المصريون للدلالة على عدم ثبات الحالة وإمكانية تغيرها في أي لحظة، كون الخط المكتوب بالقلم الرصاص قابل للإزالة بالممحاة على عكس أقلام الحبر.. 

في الزيارة التالية للطبيب كان علي أن أوقع أوراق الموافقة على جرعات العلاج، خاصة وأنها بسبب بدانتي ستكون الجرعات العظمى بما يسمحُ أن تكون الأعراض الجانبية المتوقعة مضاعفة. أسررتُ للرجل مخاوفي.. فضحك! هالني للحظاتٍ ردُّ فعله غير المتوقع، ويبدو أن الرجل لاحظ ذلك فأسرع يربت على كتفي مطمئنا ثم أضاف: هناك حصانة قانونية للمرضى يا زميلي العزيز. حتى لو انتهت إقامتك القانونية، حتى لو لم تكن قادرًا على دفع تكاليف العلاج طالما تواجدت داخل نطاق الجمهورية الاتحادية القانوني وكانت هناك حاجة واضحة لعلاجك فلا يستطيع أحد أن يمنع عنك هذا العلاج. ثم أضاف بل إن صاحب العمل لا يستطيع إلغاء عقدك طالما كنت مريضًا ملازمًا للبيت!

يومها تذكرت عمّ علي وبكاءه أمام صيدلية العلاج في مستشفى التأمين الصحي بالزقازيق. يومها تعلمت ما الذي يعنيه: الحق في العلاج والدواء.
كنت قد تركت والدي -رحمه الله- للتو في مصر بعد رحلة علاجية طويلة جراء الفشل الكلوي، وبعد أن دفعنا مبلغًا كبيرًا أتى على معظم مدخرات الوالد، وذلك مقابل إجراء جراحة لزراعة كلية بديلًا عن كليته التي أفشلها فرط ارتفاع ضغط الدم ومرض السكر.

وكان العذابُ الأكبر في أن نحصل على الأدوية التي ينبغي للوالد أن يداوم عليها مدى الحياة لمنع مهاجمة الجسم للكلية المزروعة. وهي أدوية باهظة الثمن اعتاد التأمين الصحي أن يوفرها لمثل هؤلاء المرضى. كان أشد العذاب هو اللامبالاة التي يظهرها العاملون في مستشفى التأمين الصحي حين تتأخر الأدوية على المرضى الذين لا يستطيعون التوقف عنها ولو ليومٍ واحد.

اليوم غابت اللجنة التي ينبغي أن تقرر ما إذا كانت الأدوية ضرورية لحالة والدك أم لا، في الغد اجتمعت اللجنة وقررت لكن الصيادلة انتهت مناوباتهم لليوم، ومن ثم عليك العودة في الغد. تأتي في الغد مبكرًا لتفاجأ أن الصيدلية مغلقة لأن المسؤول عنها قد تغيب أو تأخر. وحين يأتي أحدهم فإنه يأتي مكفهر الوجه عابسه، يرمي الأدوية للمرضى ويصرخ في وجوههم كأنهم يأخذون حقهم من مال أبيه أو ميراث أمه. يومًا ما عاتبت بعض المرضى أن أحدًا منهم لا ينبت ببنت شفة رغم هذا الظلم والتعنت الواضحين.

أذكر أن أحدهم لم يرد علي بل أسند ظهره للحائط وجلس يبكي، يرتجّ جسده الذي أثقلته جرعات الكورتيزون وبدايات فشل واضحة في الكلية المزروعة. قال لي بصوت متهدج تخنقه الدموع والعبرات ما لم أستطع حتى اليوم نسيانه: (يا دكتور ربنا ما يكتب عليك حرمان الدوا ولا التلطيم في إيد ولاد السوّ)! يومها ظل والدي -رحمه الله- جالسًا بجواري في السيارة، صامتًا، تدور عيناه في كل مكان لا يلوي على شيء، وتشتد قبضته على حقيبة أدويته كأنما يخشى ضياعها.

حين جلست للمرة الأولى بين يدي الممرضة التي سوف تحقنني بالأدوية، أعطتني تقريرًا طبيًا أحصل بمقتضاه على كم من الأدوية المساعدة واللازمة للعلاج تكفيني مدة ستة أشهر. طلبت مني السيدة اللطيفة أن أخبرهم إذا ما قاربت الكمية على الانتهاء، ثم أعطتني أرقام تليفونات الطوارئ التي ينبغي أن أهاتفها إذا ما جدّ جديد أو حدث طارئ. يومها تذكرت (عمّ علي) وبكاءه أمام صيدلية العلاج في مستشفى التأمين الصحي بالزقازيق. يومها تعلمت ما الذي يعنيه: الحق في العلاج والدواء.

لن يكون هناك مثار تعجب حين يحمل أحدهم حزاما ناسفًا ليفجر نفسه بدار عبادة... لكن القسوة والوحشية والحرمان يصنع وحوشًا قادرة على ما هو أكثرُ إجرامًا ووحشية.
في السنوات اللاحقة زادت خبرتي بالنظام الصحي الألماني وتفاصيله المعقدة، حتى قدم إلينا في ليلة من ليالي مناوبات الطوارئ، سيارة من وزارة العدل تحملُ محكومًا بالسجن المؤبد بسبب الإدانة في جريمة قتل وقد رافقه حارسان من السجن إلى استقبال الطوارئ. كان الرجل يشتكي من أعراض ذبحةٍ صدرية لم يمكن إثباتها بالفحوصات، التفتت إليّ ممرضة الاستقبال المسنة وسألتها عما يفعله الأطباء عادة في مثل هذه الحالات.

أخبرتني السيدة يومها أن الجميع يدقق مرتين قبل الحكم طبيًا على مريض مثل هذا، كونه مسلوب الحرية يجعل حقوقه في حال المرض مضاعفة. التفتت يومها لأخبر الحارسين أن المريض يستلزم الحجز بالمشفى لمتابعة حالته، وأنه إما أن يتوفر له مكان بمستشفى وزارة العدل المخصصة للمسجونين على بعد 40 كم أو يتم حجزه لدينا في غرفة منفصلة بالإجراءات التأمينية المعروفة. هذه الاجراءات تقتضي أن ينتدب حارسان أو ثلاثة للتناوب على حراسة المريض المسجون طيلة فترة إقامته بالمشفى ومرافقته في كل مكان ينبغي أن يذهب إليه. كان هذا بالطبع أمرًا مزعجًا للغاية للحراس، إلا أن واحدًا منهم لم يعترض إلا من بعض ضيقٍ علا وجوههم بعض الوقت.

عالجتُ مريضًا داعشيًا قُبِض عليه في إحدى مدن ولاية النوردراين وهو يستعد لتفجير قنابل بدورتموند، كان المجنون مصابًا بالدرن الرئوي المقاوم للأدوية الاعتيادية، وهو ما كان يكلف المشفى 30 ألف يورو شهريًا. وكانت حالته تستدعي قدوم رئيس القسم والاستشاري وكثير من الهيئة المعاونة وبالطبع وجود أكثر من حارس عدلي وشرطي بصورة دائمة.

كنت مطلوبًا للترجمة بصورة متقطعة وكان -رحمهُ الله- شخصًا كريهًا لا يحمل من نُبل الأخلاق ولو قليلًا يسمحُ له بالاعتراف لمن يعالجوه ويمارسوا مهام الرعاية به. كان يشك في كل ما حوله، في كل ما يوضع أمامه ويسبهم بما أفهمه ولايفهمونه، ويتوعدهم بالقتل والثبور والعذاب الأليم. وقد كان هذا المقاتل المجنون من أعجب ما رأته عيناي في هذه البلدة. كل هذا وهو طريح الفراش لا يقوى على أن يتقلب في فراشه! حتى وافته المنية في هذه الحالة. ولم يكن عجيبًا لدي أن ملفه الطبي خضع للتدقيق خشية التلاعب المحتمل بسبب الكراهية التي يكنها الطرفان لبعضهما البعض.

كل هذه الأمثلة وكثير منها أعرضت عن ذكره لاعتبارات مختلفة تجعلني أتساءل عن الانحطاط الذي وصلت إليه بلادنا الأصلية في هذا الملف. لماذا يمكن أن تتجرد السلطات من بعض بواقي آدميتها فتُجهِزَ على المرضى مقيدي الحرية وتمنع عنهم الدواء فضلًا عن أن تدفعهم لظروف معيشية غاية في السوء فتقودهم إلى حالات مرضية قاتلة ثم تتركهم فرائس لهذا الضعف وهذا العجز!

قد لا تكون كلماتنا ذات أثر عند هؤلاء المجرمين، إلا أنها توثيق لنا ولأبنائنا أننا رفضنا هذا الظلم وتلك القسوة، ورثاء لكل مسلوبي الحرية الذين حُرِموا من جرعة دواء حتى وافتهم المنية.
مواكب الراحلين يومًا بعد يوم ممن يقضون نحبهم وسط السجون والمعتقلات، بعضهم يموت ولا يزال في أصفاد سجنه تبعث كل يوم في نفسي كطبيب ومهتم بصحة الإنسان قلقًا عن المصير الذي يسير إليه الإنسان في هذه البلاد. ساعتها لن يكون هناك مثار تعجب حين يحمل أحدهم حزاما ناسفًا ليفجر نفسه بدار عبادة ويقتل من الأبرياء عددًا كبيرًا يوم عيد لهم في خسة واضحة ونذالة وإجرام لاتخطؤها عين. لكن القسوة والوحشية والحرمان يصنع وحوشًا قادرة على ما هو أكثرُ إجرامًا ووحشية.

عالجت فيمن عالجت قديمًا مرضى متعددين بحالات سرطان المستقيم كان العامل المشترك بينهم أنهم جميعًا من المعتقلين السابقين للجماعة الإسلامية لفترات زادت عن 10 سنين، ولا أشك أبدًا من حكاياتهم وعن ظروفهم المعيشية في السجن أن أمراضهم كانت نتاج هذه القسوة داخل السجون.

إنني اليوم أذكر القارئ بما يمكن أن تصل إليه دولة من التراحم رغم أنها كانت يومًا ما تفكر في إعدام المعاقين، بل وأقدمت بالفعل على حرق مجموعات مختلفة من البشر في أفران الغاز. وما يمكن أن تصل إليه دول كانت يومًا ملاذ أمان للفارين من الظلم والتجبر من قتل ممنهج لمسلوبي الحرية بكل قسوة وإجرام.

قد لا تكون كلماتنا ذات أثر عند هؤلاء المجرمين، إلا أنها توثيق لنا ولأبنائنا أننا رفضنا هذا الظلم وتلك القسوة، ورثاء لكل مسلوبي الحرية الذين حُرِموا من جرعة دواء حتى وافتهم المنية... إلى دَيّانِ يوم الدين نمضي، وعند الله تجتمع الخصوم.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة