كريم عبد المجيد
كريم عبد المجيد
2.2 k

أقباط مصر تحت الحكم العثماني

15/4/2017

يبدأ تاريخ الأقباط في مصر تحت الحكم الإسلامي بانتزاعها من الدولة البيزنطية على يد سيدنا "عمرو بن العاص" عام 21 هـ/ 642 م، الحدث الذي استقبله المصريون في ذلك الوقت بالقبول والدخول في دين الفاتح الجديد، والوقوف مع المسلمين أمام البيزنطيين الذين أذاقوهم ألوان من العذاب والاضطهاد. وباستقرار الأمر للحكم الجديد نجد أن سيدنا "عمرو بن العاص" قد أبقى على بعض الموظفين البيزنطيين المسئولين عن إدارة شؤون الولاية وأحل الأقباط محل آخرين.
 

ليصبح الأقباط من حينها طائفة متمرسة في الشؤون المالية والإدارية، مع سماح الإدارة للأهالي المسيحيين باستخدام لغتهم القبطية في الوثائق التي تخص شؤونهم القانونية والمسائل الدينية الداخلية، الأمر الذي لم تسمح به الإدارة البيزنطية إلا في أواخر عهدها، وعلى نطاق ضيق جدًا.


وبمرور القرون تناوب على حكم مصر مجموعة من الدول الإسلامية وصولًا إلى القرن السادس عشر عندما دخلها السلطان العثماني "سليم الأول" عام 1517 بعد معركة "الرَيدانية" معلنًا بذلك انتهاء الحكم المملوكي وبداية عهد جديد من تاريخ مصر استمر لمدة أربعة قرون، شهدت مصر خلالها تغيرات طالت جميع مناحي الحياة فيها.

بالنظر إلى الحياة الخاصة للأقباط لا نجد اختلافا بينهم وبين بقية المسلمين في المجتمع، إلا أنهم لم يشكلوا طبقة اقتصادية مزدهرة مقارنة بإخوانهم المسيحيين في سوريا، فغالبيتهم طبقة ريفية وصعيدية.

العثمانيون وأقباط مصر:
عاملت الإدارة العثمانية أقباط مصر كطائفة من الطوائف الدينية غير المسلمة المحكومة بنظام عُرف بنظام "الملل" والذي تؤول فيه شؤون كل طائفة دينية إلى الكنيسة الخاصة بها، ويمثلهم أمام الدولة بطريرك الكنيسة المسؤول عن شؤنهم، عبر طبقية هرمية تبدأ به وصولًا إلى الشخص المسيحي العادي. وكانت الإدارة تفضل أقباط مصر في تولي الأمور المالية لخبرتهم وكانت تسند إليهم مهمة جمع الضرائب في القدس العثمانية عبر مجتمع قبطي صغير يعيش هناك، مفضلة إياهم عن الطوائف المسيحية الأخرى.

ويجمع المؤرخون على أن حياة الأقباط تحت الحكم العثماني كانت أفضل من سابقه المملوكي، وكانت الحياة الدينية المسيحية في مصر تتنوع فيها الطوائف من مسيحيين أرمن ونساطرة (وإن كانوا قلة) ويعاقبة (ويقصد بهم الأقباط في الوثائق العثمانية) بجانب الروم الملكيين، إلا أن كتابات مؤرخي مصر العثمانية عن المسيحين الأقباط قليلة جدًا، على عكس المادة الأرشيفية الكبيرة الباقية التي تصور الحياة الاجتماعية للمسيحين وتساعدنا بشكل أساسي على معرفة شكل المجتمع المسيحي في ذلك الوقت والذي هو محور هذه التدوينة.


الحياة الاجتماعية لأقباط مصر:
أمدتنا وثائق العصر العثماني بالكثير عن تفاصيل الحياة الاجتماعية للأقباط من تجارة وبيع وشراء وزواج وطلاق وأماكن تواجدهم وشكل اندماجهم بداخل المجتمع، وقد خُصصت لشؤونهم الحياتية محكمة خاصة تنظر في قضاياهم وهي محكمة "القسمة العربية" وذلك وفق أحكام الشريعة الإسلامية برغبتهم الكاملة، وكانت تختص بالنظر في الدعاوى القائمة والفصل والحكم في المواريث والتركات وما إلى ذلك، رغم وجود كتب في الأحكام القضائية وضعها رجال دين مسيحيين مثل الكتاب الذي ألفه الجاثليق "تيموثاوس" عام 200 هـ، كي يقطع الطريق على المسيحيين المتعللين بعدم وجود قوانين للتحاكم والتقاضي فيما بينهم، ومن ثم يتم اللجوء للقاضي المسلم، وعلى الرغم من ذلك كان المسيحيين يلجؤون للشريعة الإسلامية للفصل بين منازعاتهم.

طبيعة الحياة داخل المجتمع المصري تطلبت تمييزًا بين المسلم وغير المسلم حسب قوانين الدولة، فكان للمسيحين ملابس بألوان معينة يغلب عليها الأسود والأزرق.

وبالنظر إلى الحياة الخاصة للأقباط لا نجد اختلافا بينهم وبين بقية المسلمين في المجتمع، إلا أنهم لم يشكلوا طبقة اقتصادية مزدهرة مقارنة بإخوانهم المسيحيين في سوريا، فغالبيتهم طبقة ريفية وصعيدية لا ينخرطون في التجارة الدولية في القاهرة، ويعملون في الأعمال البسيطة أو ككتبة لدى الإدارة المسلمة أو في الإدارة المالية والجمارك وضرب العملة وديوان الجوالي (الجزية)، مع وجود شخصيات مسيحية عُرفت بثرائها الواسع في ذلك الوقت مع قلة عددهم.

وتشير وثائق المحاكم الشرعية أن المسيحيين كانوا يلجؤون إلى القاضي المسلم في كل أحوالهم الشخصية بلا استثناء من زواج، وطلاق، ووصية على الأموال، وبيع، وشراء، كما ظهر في مسيحيي الوجه البحري من اتخذ أكثر من زوجة على النظام الإسلامي رغم حظر الديانة المسيحية لتعدد الزوجات، وكانت علامة على ثراء هذا الزوج، فنجد من بين الوثائق تطليق القاضي لفلان النصراني من فلانة النصرانية طلقة ثانية بائنة أو ثالثة أو رابعة، مما يدلل على اندماج المسيحيين التام في المجتمع وعيشهم كالمسلمين في أدق شؤون حياتهم.

ونتيجة لهذا التعايش داخل المجتمع كثرت الوثائق التي تشير إلى إشهار أهل الذمة إسلامهم في العهد العثماني، سواء كانوا مسيحيين أو يهودًا مصريين أو عربًا أو من غير العرب، مع ملاحظة ازدياد هذه الظاهرة بشكل لافت في ثمانينيات القرن السابع عشر حتى ثمانينيات التاسع عشر الميلادي، مما يؤكد هذا الاندماج الكامل داخل المجتمع المسلم.

بانسحاب الفرنسيين من مصر قرر ضابط عثماني قتل جميع الأقباط الخونة الذين انضموا للعدو ضد أهل البلد، إلا أنه سرعان ما تم تدارك الأمر بواسطة ضابط عثماني آخر.

وطبيعة الحياة داخل المجتمع المصري تطلبت تمييزًا بين المسلم وغير المسلم حسب قوانين الدولة، فكان للمسيحين ملابس بألوان معينة يغلب عليها الأسود والأزرق، كما حُظر عليهم ركوب الخيل وسُمح بركوب البغال والحمير، وكانت الإدارة تسمح لهم باتخاذ عبيد أو إماء بشرط ألا يكونوا من المسلمين، ولم تتشدد الإدارة في تطبيق هذه الشروط وكانت في الغالب شكلية ولا تتم إلا بضغط من العلماء في بعض الأحيان، أو في أوقات الاضطرابات وعدم الاستقرار>

وهو نفس الأمر الذي تم بخصوص بناء الكنائس جديدة، فكان عدم استحداث كنائس هو الأمر المفروض من الدولة، إلا أنه غالبًا ما خالف الأقباط هذا الحكم وقاموا ببناء كنائس جديدة داخل الأديرة القديمة أو بجوارها، ولم تصر الإدارة على التشدد في الإلزام بعدم البناء، كما كان هدم الكنائس في هذا العهد نادرًا ولا تذكر لنا كتب التاريخ شيئًا ذا بال بخصوص الأمر.

أما على مستوى العلاقات بين المسلمين والمسيحين فكان السلم هو الأصل بينهم، مع وجود حالات توتر ودماء بين الطرفين وإن كانت بشكل ظواهر فردية، فنجد مثلًا حادثة عام 1521 بعد الدخول العثماني لمصر بفترة بسيطة، قام ثلاثة من الأقباط بالسير في طرقات القاهرة وهم مخمورين، واشتبكوا مع قاضي مسلم في الطريق مع تعالي صيحاتهم بسبابه وسب الدين الإسلامي، فأمر القاضي باعتقالهم وعرضهم على قضاة المذاهب الفقهية الأربعة، فقرر ثلاثة منهم أن يتم تعزيرهم دون الموت، كونهم لم يكونوا في وعيهم حين وقوع الاعتداء من طرفهم، إلا أن استياء بعض "الإنكشارية" من الحكم دفعهم لتعقب المسيحيين الثلاثة وتمزيق اثنين منهم بالسيوف، ولكن الثالث خاف من مصير رفاقه وسارع بإشهار إسلامه لتجنب تعرضه للقتل.

نجد الأمر قد يتكرر في حادثة المعلم "يعقوب" القبطي الذي انضم إلى الحملة الفرنسية بعد دخولها مصر، وقد عينه الفرنسيون على رأس فريق عسكري وكان يشارك الفرنسيين في قتل المسلمين، وبانسحاب الفرنسيين من مصر قرر ضابط عثماني قتل جميع الأقباط الخونة الذين انضموا للعدو ضد أهل البلد، إلا أنه سرعان ما تم تدارك الأمر بواسطة ضابط عثماني آخر لأنه ليس من العدل معاقبة الجميع بسبب فعل مجموعة منهم.

__________________________________________________________________________________
المراجع:
1- الأقباط في مصر في العصر العثماني، محمد عفيفي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، القاهرة، 1992.
2- وثائق أهل الذمة في العصر العثماني، سلوى علي ميلاد، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، 1983.
3- Febe Armanios. "Coptic Christianity in Ottoman Egypt". Oxford University Press. 2011.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة