ساري عرابي
ساري عرابي
8.3 k

دهشة المنشاوي من خلف جدران الزنزانة!

15/4/2017
عليّ أن أقدّم اعترافًا عسيرًا بين يدي هذه الكلمات، وهو أن استماعي الكثيف وأنا صغير لقراء الجزيرة في الصلوات، حجبني عن اكتشاف الشيخ محمد صدّيق المنشاوي كما ينبغي، بيد أن ثمّة إضافة لا تتم الحقيقة إلا بها، وهي أن ما كان غائبًا عنّي هو علاقتي الخاصة بالمنشاوي، لا المنشاوي نفسه، تلك العلاقة التي اكتشفتها قبل خمسة عشر عامًا.

يبدو لي الأمر قريبًا الآن، مع أنني، وحينما كنتُ طفلاً، كنت أشعر بهذه الكلمات، "قبل خمسة عشر عامًا"، دهرًا سحيقًا، وأرى قائلها رجلاً عتيقًا قد عاد للتوّ من زمن بعيد، ويأخذني ذلك الإحساس لتخيل الزمن الذي لم أعشه، وكأنني صرتُ على تخوم ثروة منقوصة، فإن كان ثمة أزمنة تغري بتخيلها ولم تترك لنا منها بقايا، رجالاً أو نساء، يقصّون علينا حوادثها، فها هي أزمنة تركت لنا بقايا حية منها، رجالاً ونساء، يقصّون علينا ما لم نشهد، وبما يثير المخيلة الصغيرة لإعادة ترميم ذلك الزمن.

في كل اعتقال، كنت أحاول استكشاف الحكمة الإلهية في تدبير هذا القدر، أبحث عن الخير الذي سيقت إليّ المحنة لأجله، وكانت هذه وسيلتي التلقائية غير المفتعلة لتفادي السخط والإحباط.
هل تغيرت طبائع الزمن؟ أم أن السجون المتصلة تصادر منّا إحساسنا بالزمن، وتمنحنا شعورًا مخاتلاً بأعمارنا!؟ تمنحنا شعورًا يقيم فينا فقدًا وحزنًا، قد نتبينه أو قد لا نتبينه، ولكنه ينطبع على سرّ الحياة المكنون فينا، ويسري فينا، يغور في دواخلنا، ويطبع ملامحنا. على أي حال كان ذلك، قبل خمسة عشر عامًا في قسم (6) بسجن مجدو، بعدما أعطاني رفيق في الاعتقال شريطًا فيه تسجيل شهير لتلاوة الشيخ المنشاوي لسورتي "ق" و"الرحمن".

كان المعتقلون الفلسطينيون، فيما عُرف بالمعتقلات، وهي تلك السجون التي كان يديرها جيش العدو الصهيوني، قبل أن يسلمها لإدارة مصلحة السجون؛ قد حققوا بنضالاتهم المتراكمة قدرًا من الإنجازات، التي تتيح لهم إدخال الكتب والأشرطة بسهولة نسبية، وهو أمر لم يدم على الحال نفسه. كان قدري أن أكتشف علاقتي الخاصة بالشيخ المنشاوي في ذلك العام نفسه.

في كل اعتقال، كنت أحاول استكشاف الحكمة الإلهية في تدبير هذا القدر، أبحث عن الخير الذي سيقت إليّ المحنة لأجله، وكانت هذه وسيلتي التلقائية غير المفتعلة لتفادي السخط والإحباط، وللتعلق بحبال الكرم الإلهي الممدودة لي في الغيب المستور. كنتُ قبل ذلك بسنوات قد أكثرتُ من قراءة سورتي "الضحى" و"الانشراح" وحملت نفسي بهما للنظر في حياتي، إذ كنتُ يتيمًا فآواني، وعائلاً فأغناني، ولم أزل أنشد الهدى والمعرفة، ولم أزل، ورغم إيوائه وإغنائه، يتيمًا وعائلاً إلا به.

لما استمعت للشريط الذي أعطانيه رفيقي في الاعتقال، خلتُ وكأنني للمرة الأولى أعرف الشيخ، وكأنها المرة الأولى التي أستمع فيها للسورتين. لا أذكر بعد ذلك كم بقيت في السجن.
في الجامعة، وقبل هذا الاعتقال، كان صديق مكروب، يقول لي: يا أخي منذ سنة وأنا أقول "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، قلت له: أما أنا فأقولها منذ سنوات. اليوم تغير حالي وحال صديقي، وكأنها ساعة من زمن، وكأنها ضحوة من نهار، أو لحظة من الليل المسجّى. لم أتذكر ذلك في خطبة الجمعة وأنا أتدبر مع النّاس سورة الضحى، ولكني تذكرتها وأنا أستمع للمنشاوي -دون قصد مني- يتلو الضحى. لم يُعدني اجتهادي في التدبر إلى ما خلا من أيامي، ولكن أعادتني قراءة المنشاوي.

بالنسبة للسجن، غالبًا ما يمكن ردّ الحدث إلى الأسباب المادية المباشرة؛ الاحتلال والانخراط في الصراع المباشر معه، ولكن النظر الدقيق في اختلاف الليل والنهار، وتقلب أحداث الحياة في قلبه، لا يمكن إلا أن يحيل إلى تدبير خفي، يكمن أحيانًا في قلب القسوة الظاهرة. تساءلت فيما بعد: هل كان اكتشاف سرّ العلاقة الخاصّة بالمنشاوي من أسباب ذلك الاعتقال!؟

خلال الأعوام الخمسة عشر التي مضت، أسفر لي القدر عن بعض حكمه، ثمّ إنّي عدّت هذه الأيام لأتساءل عن اكتشافي لذلك السرّ في ذلك العام. سيُنكر عليّ البعض هذا السؤال، وقد يبالغ في الإنكار، ويصوّر لنفسه الأمر ادعاءً منّي أو تصنّعًا، فالسجن قهر عظيم، وصوت قارئ، أي قارئ، هين في ذلك القهر. ولكنه معذور لأنه لا يعرف دائي ولا دوائي.

حينما تبث المآذن تلاوة القرآن قبل الأذان؛ لا يشلّني صوت إلا المنشاوي، وإن كانت لي أحوال خاصة مع تلاوة المآذن بصوتي علي جابر وعبد الباسط عبد الصمت.
لما استمعت للشريط الذي أعطانيه رفيقي في الاعتقال، خلتُ وكأنني للمرة الأولى أعرف الشيخ، وكأنها المرة الأولى التي أستمع فيها للسورتين. لا أذكر بعد ذلك كم بقيت في السجن، ولكنّي أذكر أن تلك التلاوة التي لم أتقصّد سماعها بعد ذلك أثناء الاعتقال إلا في لحظات انشداهي الأولى؛ ظلّت هي وصوت آخر قادم إليّ من سماعة الجوال المهرب؛ بَردًا يلفّ روحي القلقة في كنانتها في صدري؛ ما بقي لي من شهور في سجني مجدو والنقب.

لم أتعرّض لصوت الشيخ تقصّدًا لأجله، وإنما استجابة لطلب الصديق، ثم قررت بعد ذلك، وبعد ملاحظتي لنفسي حين استماعها للشيخ، أن أترك الأمر لذلك الترتيب الخفي، يرسل إلي صوت الشيخ دون أن أقصده أنا، أترك الأمر لمن رتب لي ذلك الاكتشاف في ذلك الوقت. صرت بمرور الوقت أتعرّف إلى السرّ الذي يجمعني به، إنها الفجأة التي تغمرني بالدهشة.

لا أدري كيف أشرح الأمر، لكني سأقول ما يجري فحسب. حينما تبث المآذن تلاوة القرآن قبل الأذان؛ لا يشلّني صوت إلا المنشاوي، وإن كانت لي أحوال خاصة مع تلاوة المآذن بصوتي علي جابر وعبد الباسط عبد الصمت سيأتي أوان روايتها إن شاء الله. سيبدو للوهلة الأولى، تعبير الشلل ثقيلاً وغير مستساغ في هذا المقام، ولكنه حقيقي، واقعي، ليس فيه مسحة من مجاز.

إن كنت ماشيًا أتوقف ما أن يدهمني الصوت، ثوان من السكون قبل أن أستأنف المشي، وكأن طَرْقًا قويًّا ولكنه لطيف في الآن نفسه يخترق رأسي، وبلغة الصوفية، يحجبني الصوت عن السوى، أتعطل عن الحسّ والمشاهدة، يغيب العالم، يفنى عن شهودي وحسّي، أسير منقادًا في طريقي إياها التي كنت فيها قبل السكون، ولكن لا أراها، الطريق فسيحة قطعة من فراغ.

كنت في زنزانة صغيرة جدًّا، طلبتُ من "الأخ السجّان" مصحفًا، تلوت راجيًا عطاء الرب، سكنتُ، نفذ الصوت بعيدًا... تتسع الزنزانة، تتسع حرفيًّا.
لا شيء في داخلي إلا ذلك الصوت، ولا شيء في ذلك الصوت إلا القرآن، أفنى حتّى عن جماله، عن انتقالاته البارعة بين المقامات، عن تصويره الموحي للآيات، عن الحزن النقي الذي فيه، عن الطرب خالصًا فيه، لا شيء يبقى من صوته إلا القرآن، لا شيء يبقى من هذا العالم، حتى إذا انفكّ عنّي الصوت، بدا العالم بكرًا، يناغي في الوجود، وبدت روحي صفحة بيضاء اغتسلت بالنّور للتوّ.

يمكنك أن تتخيل حالي إذا حُرمت من دهشة ذلك الصوت، وقد حرمته مرات عديدة في السجن، قلقًا بيد مرتعشة، أحاول البحث عنه في راديو ترانزستور، إن كنت أمتلكه، أرجو أن يفجأني دون أن أهتك سرّ علاقتي الخاصّة به، وكأنّي أرجوه أن يأتي كما عودني، وألا يأتي إذا قصدته، فإن طال الحرمان، خِلتُ أنه لم يأن الأوان بعد.

قبل سنوات قليلة؛ كنت في زنزانة صغيرة جدًّا، في تسوية في قاع مقرّ الاعتقال، طلبتُ من "الأخ السجّان" مصحفًا، تلوت راجيًا عطاء الرب، سكنتُ، نفذ الصوت بعيدًا عميقًا من جدران الزنزانة، مآذن الأذان الموحد تبثّه، تتسع الزنزانة، تتسع حرفيًّا، حتى تغيب، قطعة من فراغ فسيح، ليس فيه إلا أنا وصوت في شكل موكب من نور، ينفذ إليّ من مساماتي، يغيب الصوت، ويظلّ القرآن، يعود العالم من جديد، وفي وعيي صوت جديد يتلو: "وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة