لمى خاطر
لمى خاطر
2.2 k

إذا أظلمت غزة

19/4/2017

رغم أن آخر ما تحتاجه غزة هو الكلام، ونبش وجعها، وتشريح جرحها تحت مجهر القلم، إلا أننا لا نجد سبيلاً لتجديد وفائنا لها ولقضيتها سوى بإدامة الطرق على بوابتها العالية، أملاً في أن يشفع استحضارنا لمأساتها عند ضحايا حصارها وظلامها المستمرين، ورغبةً في تأكيد التزامنا -ولو معنوياً- تجاهها، وإعلان انحيازنا لخياراتها الصعبة ودروبها المريرة، نحن الذين قاسمناها ألماً يشبه ألمها، ولكن في ساحة أخرى تستظل بخارطة فلسطين، وألِفنا حصاراً من نوع مختلف، لكنه يبتغي ردم إيماننا بجدوى المقاومة، ونحن الذين لم نعد نعرف طعماً خالصاً للكرامة إلا عندما تدهشنا غزة بمفاجآتها، ولا نرى الشمس ساطعة إلا في مدى بندقيتها.

 

ولذلك؛ فليس اكتشافاً جديداً أن نعيد التأكيد على تلك الأسباب التي لأجلها تتضافر عوامل القهر في ساحتها، ولن نضيف شيئاً مختلفاً لو قلنا إن الطهر في غزة هو المستهدف، وإن الفلسطيني الأصيل هو الذي يُراد إذابة صموده، وإن طريقه نحو فجره هو المراد له أن يغدو صعباً ومزروعاً بالألغام، وإن يقينه بجهاده هو المطلوب إخضاعه حين يُقايَض بلقمة خبزه ونور بيته. لكن المشكلة أن تلك الأسباب رغمك انكشافها ووضوحها فإن هناك من ينكرها بالجملة، ويهرب إلى الأمام، تحديداً إلى تلك الدائرة التي تجعل الانعتاق من الحصار مقترناً بالخصومة مع المقاومة ونكرانها كحق وكضرورة وكنهج يدمي جبهة المحتل.

 

ذنب غزة أنها ما تزال - وسط محيط زاخر بالإذعان - بقعةً وحيدةً حافلة بالمجد، بالمبادئ التي لا تؤجّر، بالإرادة الفائضة تحدياً واستبشارا، بالأحلام المقيدة لكن الواثقة بقرب انبلاجها من خلف الحجاب

عشر سنوات من الحصار والعتمة في غزة كانت كافية لتمرير تلك الحقيقة أمام أنظارنا، ولطرد كل الاحتمالات حول المستقبل، كتوهّم أن الزمن وحده كفيل بشفاء هذه الجروح المتتابعة على جسدها، أو الاعتقاد المقابل بأن الطمع في بعض المناصب هو لبّ مشكلتها.

 

 لكنّ ذنب غزة أنها ما تزال - وسط محيط زاخر بالإذعان - بقعةً وحيدةً حافلة بالمجد، بالمبادئ التي لا تؤجّر، بالإرادة الفائضة تحدياً واستبشارا، بالأحلام المقيدة لكن الواثقة بقرب انبلاجها من خلف الحجاب.

 

فلو ظلت غزة مضاءة سترتجف العتمة في أوصال الوهم المعبأ في كراسات الوطنية الزائفة، ولو أتيح لغزة أن تفرد جناحيها دون أن يقيدهما جدار لبَثّت سحر روحها وسرّ مَضائها إلى الدروب المجاورة، ثم الأبعد فالأبعد.

 

ولو أظلمت غزة، سيجفّ ينبوع الفخر الدافق في شرايين كل فلسطيني مؤمن بالمقاومة، ستنكفئ الأحلام على ذاتها، ستنغلق النوافذ المشرعة على الأمل، ستتلاشى ابتسامة الأسير في زنزانته، سيدمي القيد قلبه قبل معصمه، لأن أمله بالتحرر معقود في ضفائر غزة ومنقوش كوعد أزلي في جبينها.

 

إذا أظلمت غزة سيكون على حملة ألوية الحرية أن يفكروا ملياً قبل أن يخوضوا لجّة الإقدام، وأن يبارزوا هواجس الظلام والجوع قبل مدّ شراع سفنهم في بحر التحدي، وهذا تحديداً هدف البغاة والعداة، والمأجورين والأوغاد، لأن الكرامة خصمهم، ولأن عبوديتهم لا تحلو إلا عند تركيع كل الهامات وتجريدها من بريق عنفوانها.

 

إذا أظلمت غزة ستتراجع أقدامنا عن عتبات الصباح، ستلاحق الصحراء نماء أحلامنا البطيء، سيلتهم الصبار أكاليل الغار على رؤوس الأحرار وحول جياد عادياتهم.

 

تمعّنوا في وجوه أعداء غزة وخصومها ومن يكيدون لها ويراكمون أزماتها، وستدركون حجم عظمتها وعمق عدالة قضيتها في مواجهة الظَّلام وصانعيه، فبضدّها تتميز الأشياء، وغزة تميّزت عن أعدائها بعلوّ قامتها ودنوّ أقدارهم

إذا أظلمت غزة سينطفئ سراج الزيت في الأقصى، وستذوي شمعة انتظار الفاتحين في يافا، وسيذبل ياسمين البيوت العتيقة في عكا، وسيطفو على أديم موج عسقلان حزن مقيم، وسيكف عن الحلم بلقاء آخر مع الغواصين نحو قاعدة (زيكيم).

 

غزة التي آوت أشواقنا حين لفحنا هجير الجفاء، ورمّمت ذاكرتنا حين أوجعتنا ملامح مرحلة جديدة كان عنوانها (الفلسطيني الجديد).. وغزة التي رَعَت توْقنا لانهمار الفداء وتجدد العطاء، تستحق منا أن ننافح عن حقها في كل شيء، في الحياة والنور، وفي التجدد والبهاء، وتستحق من كل من أبهجه صنيعها في حروبها الصعبة أن يكون إلى جانبها في كل وقت. فالوفاء للمقاومة ليس حالة مزاجية تظهر حيناً وتختفي أحيانا، فليس وفاءً هذا الذي يصفّق للمقاومة ونيرانها متصاعدة، ثم يُعرض عنها حين تُعاقَب وتُلاحَق حتى آخر نفس من حياة أو ومضة من نور.

 

تمعّنوا في وجوه أعداء غزة وخصومها ومن يكيدون لها ويراكمون أزماتها، وستدركون حجم عظمتها وعمق عدالة قضيتها في مواجهة الظَّلام وصانعيه، فبضدّها تتميز الأشياء، وغزة تميّزت عن أعدائها بعلوّ قامتها ودنوّ أقدارهم، وأصالة خيارها وزيف مشاريعهم، ونُبْل أهدافها ووضاعة غاياتهم، فاستحقت تمجيد وتعاطف الأحرار، وهجاء وخذلان الصاغرين.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة