أسامة الصياد
أسامة الصياد
1.6 k

حتى لا ننغمس في التجربة التركية حد الغرق

19/4/2017

خرجت نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية الجديدة في تركيا بموافقة أغلبية شعبية مؤيدة للمضي قُدمًا في تغيير نظام الحكم التركي من البرلماني إلى الرئاسي، الذي يقضي بتوسيع صلاحيات الرئيس، وإلغاء منصب رئيس الوزراء، بالإضافة لحزمة أخرى من التغييرات التي ستدخل على البنية الإجرائية لنظام الحكم في تركيا.

 

بلا شك كانت لتلك النتيجة أصداؤها الداخلية التي لم تنتهِ بعد، ويُعتقد أن تلك الحالة سوف تستمر لفترة، نظرًا لحجم التغير الطارئ على الجمهورية التركية في نسختها الثانية -إن جاز التعبير- كما أن النتيجة أثارت النقاشات الساخنة خارج الحدود التركية، ولا سيما الموقف الأوروبي الرسمي الرافض لهذه التعديلات بصورة حادة، وكذلك على المستوى العربي الذي انقسم بشكل شرس بين مؤيد ومعارض لخطوة تغيير نظام الحكم في تركيا.

 

وفي الصدد العربي يجدر بنا الحديث بنبرة هادئة غير متشنجة، لكنها في النهاية محذرة من الانغماس الكلي في التجربة التركية، الذي يتلوه خروج بأحكام قطعية بمقارنات مختلقة السياق متعلقة بالأوضاع في الوطن العربي أو متأثرة بتجارب أخرى.

 

في وجهة نظري كان الرأيان "سواء بنعم أو لا" لديهما وجاهة في الطرح، لا سيما التحمس لدى أنصار التعديلات لإحداث تغيير جذري في الجمهورية الكمالية القديمة -وهو تغيير تاريخي بلا شك بعد إقرار التعديلات-، وعلى الجانب الآخر التوجس لدى الرافضين لها من السير في طريق نهايته حكم الفرد بصلاحيات واسعة -وهو تخوف مشروع نظرًا لسلسلة الإجراءات الاستثنائية التي تسير السلطة نحوها منذ فشل المحاولة الانقلابية في 15 من يوليو/ تموز العام الماضي-.

 

لا يمكن إغفال أن المجتمعات بالأساس وحيويتها هي الضمانة الأكبر لكبح جماح السلطة المدنية، ولمنع تغول الدبابة العسكرية على آليات تداول السلطة

ولكن يجدر الإشارة هنا فيما أرى إلى أن الأمر غير متعلق بالتغيير النظري فقط في الدساتير، إذ أن الحكم على الدساتير يكون من خلال التطبيق العملي لها وآثارها المترتبة على المجتمع صاحب هذا العقد الاجتماعي مع السلطة، فمئات الدساتير والقوانين لم تمنع طغاة من التجبر والديكتاتورية رغم حبكتها الوسيمة وديباجتها التي تشع بالديمقراطية.

 

ولا يمكن إغفال أن المجتمعات بالأساس وحيويتها هي الضمانة الأكبر لكبح جماح السلطة المدنية، ولمنع تغول الدبابة العسكرية على آليات تداول السلطة، ولعل لا يمكن التورط في أحكام مسبقة كالتي ثارت عقب نتيجة الاستفتاء قبيل التريث ورؤية التفاعل بين المجتمع ونظام الحكم الجديد الذي يُعارضه قرابة 49.5% من الشعب.

 

وفيما أرى أن مجتمعًا هب عن بكرة أبيه في استفتاء التعديلات الدستورية بنسبة تصل إلى 85.46% وهي واحدة بين أعلى نسب المشاركة في استحقاق انتخابي عالميًا، لن يقف مكتوف الأيدي أمام تغول للسلطة التنفيذية تحت أي مسمى، إذ أن الرسالة الموجهة في هذا الاستفتاء هي الأقوى التي وصلت إلى بريد حزب العدالة والتنمية الحاكم على مستوى الشعبية، خاصة بعد فشل المحاولة الانقلابية الأخيرة.

 

وسيبقى هناك تحدي لا يمكن تغافله، وعلى الجميع مراقبته، وهو قياس مدى قدرة السلطة الحالية على إعادة الالتئام إلى المجتمع المنقسم مرة أخرى دون أن يخرج الأمر ويتطور خارج نطاق السياسة إلى مربعات صراع قد تكون أخطر على تجربة الحكم الحالية مما سواها.

 

لذا أستشعر أن انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع عقب التعديلات هو واجب المراقبين والمحللين، خاصة وأن الأمر خاضع إلى أي مدى ستكون عملية التحول في النظام الحكم هذه سلسلة وغير مؤلمة، وكيف سيتفاعل معها المجتمع التركي الذي يمر بأقصى درجات الحيوية في هذه الأيام، لذا من المبكر الحديث عن حسم الأمور لصالح تصور الحزب الحكم بقيادة أردوغان حاليًا، حتى وإن مرت التعديلات إجرائيًا، إذ يُساور الشك عددًا من المتابعين للشأن التركي خشية حدوث اضطرابات تؤدي إلى تحركات من الجيش تحت أي لافتة وأي مسمى.

 

الاضطرابات التي تحدث في تركيا، وارتدادات الأزمات المحيطة على الداخل بها، يُلزمان بإحدث تغيير جوهري يجعل القرار التركي أكثر قوة ومتانة في مواجهة العاصفتين العالمية والإقليمية القادمتين، دون الخضوع لابتزازات هشاشة الجبهة الداخلية

كما أن الجبهة الداخلية لحزب العدالة والتنمية بشكل خاص ستكون محل نظر الفترة المقبلة، خاصة وأنه بات من المعروف وجود جبهتين متنافرتين في السياسات مؤخرًا، وقد أظهر استفتاء التعديلات الدستورية التمايز بين هاتين الجبهتين جيدًا، الأمر الذي سيزداد يومًا بعد يوم مع عودة أردوغان رسميًا لقيادة الحزب في الفترة المقبلة تصديقًا للتعديلات التي أُقرت، في مقابل مجموعة من القيادات التاريخية المؤسسة للحزب، وهو ما يتوقع معه البعض انشقاقًا قد يكون الأضخم في تاريخ حركة العدالة والتنمية، إذا ما تم.

 

كل هذه العوامل توجب علينا التريث قبل الانغماس في معركة إطلاق الأحكام على ما حدث، خاصة وأن التجربة تنفرد عن كافة تجاربنا العربية في كل عناصرها، بداية من الحزب الحاكم وأيديولوجيته انتهاءً بالمعارضة وسياقها التاريخي وصولًا لطبيعة الموقع التركي الجيوسياسي المختلف تمامًا والذي ينعكس على طبيعة المجتمع داخليًا.

 

الاضطرابات التي تحدث في تركيا، وارتدادات الأزمات المحيطة على الداخل بها، يُلزمان بإحدث تغيير جوهري يجعل القرار التركي أكثر قوة ومتانة في مواجهة العاصفتين العالمية والإقليمية القادمتين، دون الخضوع لابتزازات هشاشة الجبهة الداخلية، لكن هل كان قرار التحول إلى النظام الرئاسي الخطوة الأنسب لمثل هذا الهدف، هذا هو ما اختلف عليه الأتراك ولا أزعم أنني أملك إجابة شافية له.

 

ما يمكن للعرب فعله الآن هو ترك التحزب والتعامل بمنطق "الأولترس" مع التجربة التركية، والأفضل لهم أن يخضعوا مثل هذه الأحداث الهامة في تاريخ الأتراك إلى الدراسة والتحليل وترك "التهليل"، بحيث نستخلص من التجربة ما قد ينفعنا في مستقبل قاتم، دون الإغراق في التفاصيل والولع بها.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة