سعدية مفرح
سعدية مفرح
2.1 k

على أرض الجزيرة.. تحت سمائها!

2/4/2017

ككل بداية في أرض الكتابة؛ حرث وبذر وسقاية ورعاية وانتظار! وككل كاتب ربما، أعرف البذرة التي أزرعها لكنني لست متأكدة تماما مما يمكنني أن أحصده في النهاية.. هذا إن كنت سأحصده فعلا وإن كان هناك ما سأحصده أساساً.. وإن كانت هناك نهاية أصلا! بذرتي هي الكلمة، فماذا سأحصد؟

 

لا شيء واضح ولا شيء مؤكد ومحدد في عالم الكتابة.. مثل كل الأشياء الجميلة في الحياة؛ كالحب، والحنين، والشجن، والبحر، والسماء، والصحراء، والفضاء! لكن بالنسبة لي يبقى التوجس، على الأقل، هو الشعور الوحيد الذي يمكن تحديده وتسميته عندما أكون بصدد النشر في منصة صحفية جديدة.  لذلك أحب بداياتي شبه المجهولة في منصات غير مشهورة حيث أضمن ألا يشهد ارتباكي فيها سوى قلة من القراء، ويفضل أن يكونوا من الذين لا يعرفوني تماما، وهكذا تتقلص خسائري وتنحصر قائمة إحراجاتي إلى الحد الأدنى!

 

لكن الأمر مع منصة تحمل الاسم الأشهر في عالم الإعلام العربي خلال العقدين الأخيرين من الزمن يبدو مختلفا، وما دمت قد قبلت دعوة هذه النافذة الجديدة التي تفتحها الجزيرة في جدار الإعلام الجديد باسم مدونات الجزيرة فهذا يحتم علي أن أرضى بالأمر الواقع وأشهد العالمين، عبر تدوينتي الأولى، على نواقص البدايات وتوجس الغربة في المكان الجديد وبالاسم الجديد للكتابة الصحفية؛ تدوينة!

 

مدونات الجزيرة كجغرافيا صحفية جديدة بتضاريس إعلامية متنوعة، جمعت بين مهنية المقالة وحرفيتها تحت إدارة تحرير مسؤولة من جهة، وبين حرية التدوينة وانطلاقتها واسترسال كاتبها في موضوعه من جهة أخرى.

فلأبدأ إذن في الكتابة عن الكتابة، وفي التدوين عن التدوين، تواصلا مع فكرة الكتابة ومفارقة واختلافا مع فكرة المقالة والتي كونت جزءا كبيرا من هويتي الصحفية عبر كتابتها وها أنذا الآن أعود لأبدأ بتجريب غيرها!

 

هل هناك فرق حقيقي بين المقالة والتدوينة؟ ما الفرق بين ما كنت وما زلت أمارسه في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية وبين ما أنا بصدد ممارسته الآن في مدونات الجزيرة؟

 

حسناً.. لا ينبغي على من لا يعرف الفرق بينهما من القراء والمتلقين أن يشعر بالنقص أو القلق، فما دام قادرا على قراءة وتلقي ما هو منشور بين يديه وفهمه فهذا يكفي بالنسبة له فهو لن يتعرض لامتحان يطالبه فيه الممتحن أن يميز هذا من ذاك، خاصة وأن الفرق المعني ليس كبيرا ولا جوهريا ولا حادا، ولا يعني، أو لا ينبغي أن يعني، عموما سوى محترفي الكتابة والتدوين ومدراء تحرير المنصات الصحفية بمختلف أنواعها وأشكالها.

 

أما لمن يبحث عن الدقة في تحديد هوية ما يقرأ أو يستعد لأن يحترف الكتابة الصحفية فيمكنني، ما دمت ماضية في تدوينتي الأولى، أن أستطرد قليلا لأبين ببساطة أن كل المقالات تدوينات، لكن العكس ليس صحيحا، فليس كل التدوينات مقالات، وفقا للتعريفات المثالية السائدة في عالم الكتابة الصحفية عموما. ففي حين ينبغي للمقالة الصحفية أن تتميز بأسلوب احترافي في الكتابة يعبر كاتبها من خلال كتابتها عن رأيه الخاص في القضية التي يتناولها، لا يشترط في التدوينة سوى أن تكون كتابة مفهومة بالنسبة للمتلقي الذي يمكنه تلقي معلومات مدونها خلوا من رأيه الخاص على سبيل المثال!

 

وبما أن التدوين نشأ بشكل عفوي بعيدا عن اشتراطات إدارة التحرير وقوانين النشر والهوية العامة للمنصة التي ينشر فيها فقد حرره ذلك من كل الأطر التقليدية للكتابة الصحفية المنضبطة. فالمدون هو الكاتب وهو مدير التحرير وهو المدقق اللغوي وهو رئيس التحرير وهو الناشر! لا أحد يشاركه في مدونته التي ينشئها بنفسه من العدم تقريبا فيملكها وحده ولن يكون لأي أحد بعد ذلك أي سلطة على ما ينشره فيها!

 

أما الكاتب الصحفي المحترف، فهو ليس سوى ترس صغير في آلة ضخمة، ولهذا فهو يجلس ليكتب مقالته تحت وطأة هذا الشعور ذي الأطر المتعددة، فغالبا هناك من يحدد له عدد كلمات المقالة ومن يختار له موعد نشرها ومن يحررها ومن يدققها لغويا قبل النشر ومن يتولى عملية نشرها بالشكل المناسبة للصحيفة أو الموقع، وهذا كله في الأحوال المثالية حيث لا حسيب يقترح استبدال فكرة أو تغيير عبارة ولا رقيب يمنع بعضها أو كلها!

 

لكن يبدو أن مدونات الجزيرة، وفقا لمتابعتي لها منذ أن انطلقت، كجغرافيا صحفية جديدة بتضاريس إعلامية متنوعة وخيارات متعددة، قبل أقل من عام، أرادت أن تجمع بين هذا وذاك، أي بين مهنية المقالة وحرفيتها تحت إدارة تحرير مسؤولة من جهة، وبين حرية التدوينة وانطلاقتها واسترسال كاتبها في موضوعه من جهة أخرى، وهو وضع يضاعف من شعور التوجس الذي يقترب من الخوف لدى أي كاتب يجد نفسه يتمشى برفقة كلماته وحدها فوق أرضها المحشوة بالألغام وتحت سمائها الملبدة بالغيوم.. بلا كاسحة ألغام ولا مظلة! سنمضي إذن ونبذر كلماتنا هنا أسبوعيا.. والله يستر!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة