روى حلاق
روى حلاق
1 k

لا أعدكم بالوقوف!

2/4/2017

منذ 41 عامًا لم تعانق قدماي الأرض سويًا، هكذا تبخلُ الأطرافُ على صاحبها، ويقودني هذا الإدراك إلى ألمٍ أشدّ في كافةِ أنحاء جسدي، أنا المصابُ في معركةٍ ما كانت يومًا ثمّ استمرت لسنوات، ومازالت. لا تعنيني المسميات جميعها سوى أنّ المقاومة أسبابها واحدة: الوطن. والوطن ليس بقعة التراب والأرض المزروعة بالتين والزيتون والقمح والصنوبر والرمان. إنّه نحن. لكن بقاؤنا وزواله يعني خسارة المعركة، وزوالنا وبقاؤه يعني أنّ الأحفاد قد ورثوا أسماءنا نحن الشهداء.

 

صمتٌ تام سوى بعض نوبات الصراخ التي تأتي ردًا على هذا الألم كل عام. أتأرجحُ على كُرسيٍّ هزاز، يأخذني تارةً للأمام وأخرى للخلف، أستعملُهُ كمخدرٍ أتحايلُ بهِ على جسدي كي ينام رويدًا رويدًا دون أن أضطرّ لإغلاقِ عينيّ، هكذا تغفو كلّ ذرةٍ في جسدي دون العقاقير غير موثوقة المصدر والتأثير. أمّا أنا فأحبّ البقاء مستيقظًا كحارسٍ مغوليّ يحمي مملكته من الغزاة، فجسدي الواهن قدّم قرابينَ كثيرة، والأخيرة كانت ساقي التي أحاول الوفاء لها.
 

افترشتُ الأرضَ جريحًا أحاولُ كبتَ صوت الألم بعيدًا عن آذان الجنود كي لا يقتفون أثري ككلاب الصيد، انغمستْ يداي في الترابِ والدماءِ معًا ولم أدرك شيئًا آخر بعدها سوى الظلام.

البتر

بدأ البتر بسماعي القرارَ الحكوميّ المشؤوم المُنتشر في أرجاء البلدة كبومٍ نائح ظهر فجأة في السماء ليعكِّرَ صفو الربيع المُنتظر: "صادرت السلطات الإسرائيليّة صباح اليوم 21 ألف دونم من الأراضي العربيّة، وذلك لإقامة المستعمرات الصهيونيّة ضمن خطّة "تهويد الجليل" لتفريغهِ من سكّانهِ العرب".

 

"أخذوا كل ما أملك" قال أبو اسماعيل لي بعبوسٍ وجمود لم أعهده من ذي قبل وفي صوته بكاءٌ وحسرة. جلستُ قبالته لأواسيه فوجدتهُ يفكِّرُ بمحاصيلهِ الزراعية التي يقتات منها وتشكِّلُ مصدرَ رزقه وعائلته المكوّنة من 10 أفراد، فتحَ عيناهُ على اتساعهما وهو يتخيّلُ أنّها ستبادُ في لحظة لتصبحَ بيوتًا للمهاجرين اليهود أبناء "دافيد وأبراهام ونوعام وشيرا" بعد أن ورثها عن أبيه، كادَ أن يشبك عشرهُ على رأسهِ ويبكي أمامي، ولكنّه تماسكَ قبل انهياره وبقي ثابتًا شريد البال كصنمٍ يحدِّقُ بالأرض. حاولتُ إقناعهُ أنّ حالهُ لا يختلف عن الفلّاحين الآخرين في المنطقة وأننا سنفعلُ كلّ ما بوسعنا لاستعادتها، لكنه شعرَ بالوحدة تطبقُ على صدره.. والغضب.

 

إبان المساء، احتشدَ الرجال، النساء، الأطفال، وحتى العجائز في مركز البلدة استنفارًا ضد القرار الجائر، وأسوةً بهم حشرتُ جسدي بينهم بقوّة كي يتسّع لي المكان المكتظ بفكرةِ التصدّي عبر إعلاءِ صوتنا، شعرتُ حينها أنّ الغضبَ يتصاعدُ شرارات عاموديّة من أجسادنا ويلتحم مع بعضهِ البعض مُشكِّلاً شعلة ضخمة في السماء من الرفضِ الشعبي الوليد حديثًا، وفجأة دخلت مركبة عموميّة من ناحية الشرق، ترجّل منها السائق صارخًا مستنجدًا وقد فتح البابَ الخلفيّ لمركبته وإذ بأحدِ الشهداء تتدلى جثتهُ من المركبة وهو مضرّجٌ بالدماءِ بعد أن ودّعتهُ الروح للتوّ دون أن نستطيع إنقاذه، لقد قتله الجنود أثناء مسيرةٍ احتجاجيّة ضد مصادرة الأراضي في القرية المجاورة.

 

بعد هذا المشهد، حلّ الاستنفار ضيفًا بيننا، وتوهّجت الشعلة فوق رؤوسنا أعلى مما كانت عليه قبل قليل. هكذا اندلعت المواجهات مع الجيش، استجمعتُ حينها مفهومَ البطولة بأدواتي الصغيرة أمام الأسلحة المُدججة التي فتحتْ أفواهها لقتلنا جميعًا دون أي اعتبار لآدميتنا، وبالمقابل، كان الحجرُ كافيًا لأقول كلمتي دون مهابة الموت، وبكلِّ حماسٍ يملكهُ شابٌ في عُمري آنذاك هرعتُ لأرضي أحميها من المُحتلّ الداني، معي مئات الشبّان يقفون بمواجهةِ قوّات "جولاني" المصفحة في معركةٍ ليليّة دامسة لا يتساوى فيها الطرفان قوةً. قذفتُ كلّ ما بحوزتي بوجههم، ولكنني كنتُ عاري الصدر لا أملكُ سلاحًا أقوى من حقّي، طوّقني الجنودُ من كافةِ الاتجاهات، سوى واحدة استطعتُ العَدْو من خلالها في بساتينٍ مزروعةٍ بالثمار والحمضيّات.

 

ركضتُ آلاف الخطوات ولكن بدا جسدي مثقلاً، تعذّر عليّ حملهُ أكثر وفي جوفهِ رصاصة جعلتهُ يتقيّأ الدماء، افترشتُ الأرضَ جريحًا أحاولُ كبتَ صوت الألم بعيدًا عن آذان الجنود كي لا يقتفون أثري ككلاب الصيد، انغمستْ يداي في الترابِ والدماءِ معًا ولم أدرك شيئًا آخر بعدها سوى الظلام.

 

بعد أسابيعٍ عديدة، رأيتُ النورَ لأوّلِ مرّةٍ يتدلى من المصباحِ الكهربائيّ المُعلّق في سقفِ غرفةِ المستشفى، أدركتُ حينها أنني لم أصل السماء بعد، وإنّي هنا أتنفسُ على الأرض موصولاً بالأجهزة الطبيّة والأدوية. تفحّصتُ بنظري جسدي المتمدد على السريرَ لأتأكدَ من ملامحي، حرّكتُ أطرافي كلّها معًا، ولكنّ واحدة لم تتحرك مع الأخرى: هي ساقي اليسرى! حينها حاولتُ أن أواسي نفسي بالسؤال: ماذا يعني بترُ القدم في واقعِ مبتور؟ ما حصل لي لم يكن سوى وخزة إبرة في وابلٍ من رصاص، قدّمتُها قربانًا نيئًا للتربة والأرض في هذا الوطن الذي لم أملك منه سوى ريشةٍ من طائرٍ مسروق.
 

ملاحظة: حين تُصادر الأرضُ القادمة أيقظوني رجاءً، لكنني لا أعدكم بالوقوف.

الخدر

في يومٍ ما، كان هذا الألم سيعصفُ في كلّ زاويةٍ في جسدي حتى يُفنيه سريعًا في غياهب التراب. لكنّه اتخذ قدمي موطئًا له وتركني أتعايشُ معه طيلة السنوات الفائتة بيدَ أنّ فكرة التعايش مع الألم مؤلمة أكثر من الألمِ ذاته إن كانت تعني العجز، ومع هذا، صار جزءًا من وجودي وكياني وتعريفي لذاتي.

 

هذهِ قدمي المبتورة منذ 41 عامًا، استطعتُ أن أجعلها شهادة لكل السائلين عن إنجازاتي الوطنية الماضية، ورغم ترنحي على هذا الكرسيّ، فأنا في كلِّ عام، وتحديدًا في يومِ إصابتي، أيقظُ حواسي لأصرخ مناديًا بحقّي رغم ألاَّ أحد يسمعني في غرفتي المهجورة، ثمّ أعاود النوم 364 يومًا آخر على هذا الكرسيّ عبر الاهتزازِ.

 

كم تشبهُ ساقي المبتورة حالنا السياسيّ العاجز عن الوقوف، واقعنا الوطنيّ المُقعد، حقيقتنا المُخدَّرة الرافضة للإدراك، وأساليب نضالنا الصدئة، ذلك أنّ أسباب المقاومة مازالت قائمة ولكنني الآن نائم، مُخدّر.. أو هكذا يُخيّلُ إليّ.

 

ملاحظة: حين تُصادر الأرضُ القادمة أيقظوني رجاءً، لكنني لا أعدكم بالوقوف.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة