الأدبُ والحياة

21/4/2017
الأديب الذي لا يمشي في الأسواق والشوارع ولا يجالس كلّ من هبّ ودبّ، ويظلّ جلْسَ بيته دافنًا وجهه في الكتب لا يمكن أن يخلق لنا نصًّا ذَا بال نابضًا بالحياة؛ يتجاوز الزمان والمكان ويشق طريقه نحو الخلود. فالقارئ ينتظر دوما من الكاتب أن يعبّر عما تجيش به نفسه من آلام وآمال.. فكيف لهذا الأديب أن يفعل ذلك وهو ينزّه نفسه المقدسة عن الاختلاط بالنّاس والاستماع إليهم وإلى معاناتهم.. فهو يعيش حياة رغد هادئة في حماية أهله، فلا تحتك أكتافه بأكتاف الناس، ولا يتعرض جسمه كما يقول جبرا لعواصف حبهم وحقدهم.


فالحياة على حد تعبير زكي مبارك: هي كتاب الأديب، فالأدب يجب أن يكون من وحي الحياة، وإنّه من الضروري أن نعيش الحياة حتى نكتب آيات الوجود، لا أن نترك الحقيقة ونبحث عنها في الخيال، ونهرب من العالم ونلجأ إلى القلم. وقد وجدت هذا المعنى واضحًا عند كثير من كُتّابي المفضلين، أذكر على سبيل المثال "نجيب محفوظ"، فرواياته تزخرُ بالحياة بكل أشكالها وألوانها. وإن كان الغالب على شخوصه الحزن والبؤس والألم والتعاسة.. فكأنّه يؤرخ لحياة الضنك التي كان يحياها الإنسان المصري في زمانه!

تركتُ العالم يموجُ على شواطئ نهرالسين، ولكن لماذا؟ لأقرأ كتابًا يتحدّثُ عن العالَم؟ هذا حمق وسفه. كيف أترك الحقيقة ثمّ أبحث عنها في ألفاف الخيال؟ "زكي مبارك"

إن الكتاب كما يقول "حنا مينة" في كتابه - "كيف حملت القلم" ص 33 -: "يكمّل معرفتنا بالإنسان والطبيعة، ويظهر لنا ما كان يتعذّر علينا أن نراه فيهما، وبالمقابلة فإنّ الإنسان والطبيعة يكملان معرفتنا بالكتاب، ويظهران لنا ما كان يتعذّر فهمه فيه، فإذا حجب أحدهما الآخر، أي إذا حجبت الكتب عنّا النّاس، أو إذا حجب الناس عنّا الكتب، لم نحصل إلا على أحد شطري المعرفة، وبقينا نظريين بدون تجربة، أو تجريبيين بدون نظرية، ولم تستقم لنا المعادلة المطلوبة مع الاعتراف بأن التجربة ترتفع إلى مستوى النظرية في الممارسة العملية أحيانا".

الجاحظ، أحد أكبر كتابنا ونوابغنا العرب، أدرك هذه الحقيقة وطبقها تطبيقًا صحيحًا في حياته. كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها للنظر في ما حوته من الكتب، وقد ثابر على ذلك طيلة حياته، حتى كان أحد شهدائها الأمجاد، فقد انهارت عليه رفوفها وأكداسها وهو مقعد، فذهب في موكب الظمأ الذي لا يرتوي إلى المعرفة.

بيد أن الجاحظ، وهذه حاله مع الكتب، لم يكن يسمح لها أن تحجب الناس عنه، كان يعيش ليلاً مع الكتب ونهارًا مع الناس، يشاكل طبقاتهم، ويسألهم عما يهمه ويريد أن يتفهمه، ويأخذ من كل من يعتقد أن عنده من المعارف ما ليس عند سواه، فهو ( يسترشد بآراء الحراس، ويتحدث إلى الحواة والجزارين والعطارين والنجارين والصيادين والأكارين والقابلات، ويسأل الحشوة وأرباب البطانة، وقد يأخذ بآراء البحريين إذا رووا له غرائب قبلها عقله، أو يردها إذا كانت حديث خرافة، ويتحدث إلى كل من عنده طرائف من الكلام وعجائب من الأقسام).

ومن غريب ما يحضرني في هذا الباب ما ذكره "جبرا إبراهيم جبرا" في كتابه "أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال" ص 28، أنّ الشاعر الإنجليزي المعاصر ديلن توماس عندما انتهى من حديث له عن الشّعر في إحدى القاعات في الولايات المتحدة، قامت فتاة جميلة من بين الجمهور وسألته: أريدُ أن أصير شاعرةً، فهلا أخبرتني ما يجب أن أفعل؟ فرفع رأسه من بين أوراقه وألقى عليها نظرة، ثمّ قال: اذهبي وصيري عاهرة!! فهبطت الفتاةُ خائبةً في مقعدها، وخيّم على القاعة سكون عميق.

فقد أراد أن يقول: اذهبي واختلطي بالنّاس. اعرفي البشر في ساعات ضعفهم. استشعري شهواتهم. المسي حقارتهم. تحسّسي مخاوفهم. روزي قروشهم. اخترقي رياءهم. استمعي إلى قهقهاتهم. بللي وجهك بدموعهم. افهمي شتائمهم. اذهبي واختبري الحياة. اختبري الحياة. اختبريها وجرّبيها تقولي الشّعر.

ولله درّ الدّكتور "زكي مبارك" الذي فهم هذا المعنى فهما جيّدا فقال عن نفسه حين كان فقيرا في باريس: لم يكن أمامي إلاّ مسلك واحد، هو الاندماج المطلق في باريس لأحدّثَ قُرّاء (البلاغ) بأحاديث مُنتزعة من الحياة الواقعة في باريس، وكان لابدّ من معاقرة الحياة في باريس لأنجح في مراسلة (البلاغ).. وهدتني الفِطرة إلى قضاء أوقات الفراغ في الملاهي والمراقص والقهوات.

كنتُ أزرع باريس بقدمي لأخلق لمقالاتي جوّا من الحقيقة لا من الخيال. وقال في موضع آخر من ذكرياته في باريس: أنا تركتُ العالم يموجُ على شواطئ السين، ولكن لماذا؟ لأقرأ كتابًا يتحدّثُ عن العالَم؟ هذا حمق وسفه. كيف أترك الحقيقة ثمّ أبحث عنها في ألفاف الخيال؟ ألأكتبَ بحثًا يشرح بعضَ حقائق العالَم؟ كيف؟ وأنا أهربُ من العالم لألجأ إلى القلم والكتاب والمصباح.

وفي أخبار الأدب الفرنسي أنّ أديبًا كان يكتبُ كلّ يوم قصة ويرسلها إلى إحدى الجرائد، وكان يتمنى في كل صباح أن تنشر له قصة فيأخذ عليها أجرًا ينتفع به في معاشه، ولكن الجريدة التي كان يرسل إليها أقاصيصه لم تنشر له شيئًا، وكذلك كان يستقبل كل صباح بأمل خائب وإحساس مطعون. واتفق له يومًا أن يتأمل أحوال البيت الذي يعيش فيه فوقف على أخبار طفل يتيم دمعت له عيناه؛ فكتب فيه أقصوصة سماها (اليتيم) وأرسلها إلى تلك الجريدة التي أهملت كل ما كتب.

بيد أن الجاحظ، وهذه حاله مع الكتب، لم يكن يسمح لها أن تحجب الناس عنه، كان يعيش ليلاً مع الكتب ونهارًا مع الناس، يشاكل طبقاتهم، ويسألهم عما يهمه ويريد أن يتفهمه.

وكان يخشى أن تنال تلك الأقصوصة ما نالت أخواتها السوالف من الإهمال، ثم فوجئ بظهور تلك الأقصوصة في صباح اليوم التالي، وما كاد ينتهي من مراجعة الجريدة حتى جاءه خطاب في صك بمبلغ من المال مكافأة على قصته، وفي الخطاب فوق هذا كلمات من طيب الثناء، وأراد ذلك الأديب أن يحاسب نفسه وأن يقارن بين ما كتب بالأمس وما كتب اليوم، فرأى أن أقاصيص الأمس كانت من وحي الخيال، أما قصة اليوم فكانت من وحي الحياة، وهذا هو السر فيما ظفرت به من كريم القبول.

ويرى جبرا إبراهيم جبرا أنّ أحد الأسباب في قلّة الشاعرات المجيدات، هو عدم اختلاطهن بالنّاس وعنفهم، وقال: إنّهن يعشن في أغلب الأحيان مصانات في عزلة اجتماعية رتيبة. إلا إذا عرفن ذلك الصراع الداخلي المُمزّق الذي ينتهي بهن إلى الحزن والأنين، أو الثورة، أو الإبداع .

وكذلك الدّكتور "عبد الفتاح كيليطو" يرى أنّ الكتابة قديما كانت نشاطًا رجوليا. كما في كتابه الأدب والارتياب، وقد طرحت عليه سؤالا في ذلك في ندوة بمعرض الكتاب بالدّار البيضاء فابتسم وقال: كان ذلك قديما. وباختصار، فلسان حال أغلب القُرّاء كما قال المنفلوطي في نظراته - ج1ص 11 -: فكنتُ لا أقرأ إلاّ ما أفهم، ولا أفهم إلا ما أشعر أنّه خرج من فم قائله خروج السهم من القوس، فإذا هو في كبد الرّمية ولُبّها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة