ليتنا لا نزال أطفالا

21/4/2017

الفطرة الإنسانية بطبيعتها بسيطة وتلقائية وواضحة وسريعة، وهذه الفطرة في بساطتها وبداهتها وعمقها وصدق تعبيرها تصل إلى الهدف الذي تبتغيه بكل يُسرٍ وسهولة، وأبرز من يمثل هذه الفطرة الإنسانية هم الأطفال في سنين حياتهم الأولى.

 

هناك إجابات بسيطة وتلقائية وبديهية يرد بها الأطفال على أسئلة نعتبر الاجابة عنها من الصعوبة بمكان، ولذلك نصاب بالدهشة عندما نسمع هذه الإجابات، مع أنها هي إجابات الفطرة ببساطتها ووضوحها، ولأننا ابتعدنا عن الفطرة الإنسانية كثيراً، وصرنا نغرد خارج نطاق الفطرة فقد استغربنا واندهشنا لهذه الاجابات.

 

وهناك أسئلة تلقائية وصريحة وجريئة يسألها الأطفال (وما أكثر أسئلة الأطفال العفوية) رداً على إجاباتنا الغير مقنعة، والتي يغلفها الغموض والتبرير (واللف والدوران)، وعندها نصاب بالإحراج والاستغراب من هكذا أسئلة لم نكن نتوقعها، ولكن عندما نفكر في أسئلة الأطفال هذه نجدها أسئلة الفطرة ببساطتها وصراحتها ووضوحها، ولأننا ابتعدنا عن دوحة الفطرة الإنسانية كثيراً، وصرنا نغرد خارج نطاق الفطرة فقد استغربنا واندهشنا لهذه الأسئلة التي اعتبرناها مستفزة.

 

أعتقد أنه كلما تقدم بنا العمر كلما ابتعدنا أكثر عن الفطرة ببساطتها وتلقائيتها ووضوحها وسرعتها، وتحولت إجاباتنا على أسئلة الحياة المطروحة عبارة عن إجابات غامضة ومعقدة ويكتنفها الكثير من (اللف والدوران) والتبرير

وهناك تصرفات وردود أفعال إنسانية تتسم بالبساطة والتلقائية يقوم بها الأطفال أمام مشاهد الحياة اليومية تستوقفنا كثيرا في عالم الكبار، ونجد أنفسنا أمامها في حيرة، وكثيرا ما نتساءل في ذهول لماذا غابت عنا مثل هذه التصرفات العفوية الصادقة واستبدلناها بتصرفات فيها التكلف والتعقيد، السبب في ذلك أننا صرنا نغرد خارج نطاق الفطرة، ولذلك أصبنا بالذهول والدهشة لهذه التصرفات الفطرية.

 

وهناك أيضاً مشاهد وأحداث يراها الأطفال فتنفعل لها ذواتهم فرحا أو حزنا، فيعيشون لحظة الفرح ويستمتعون بها، وتهزهم الأحداث المأساوية ويتألمون لها بكل مشاعرهم، فنستغرب نحن بالمقابل هذا الشعور منهم، والسبب في ذلك أنا صرنا نغرد خارج نطاق الفطرة، فتبلَّدت أحاسيسنا، وتحجَّرت مشاعرنا، وتوحَّشت عواطفنا، ولهذا نستغرب سلوك الأطفال الفطري تجاه هذه الأحداث.

 

أعتقد أنه كلما تقدم بنا العمر كلما ابتعدنا أكثر عن الفطرة ببساطتها وتلقائيتها ووضوحها وسرعتها، وتحولت إجاباتنا على أسئلة الحياة المطروحة عبارة عن إجابات غامضة ومعقدة ويكتنفها الكثير من (اللف والدوران) والتبرير، والهروب من قول الإجابة الصحيحة، وكذا تحولت أسئلتنا التي نطرحها إلى أسئلة تزيد المشكلة تعقيداً ولا تساهم في حلّها، في هذه الأسئلة جانب كبير من التكلف والسفسطة والتفلسف المبالغ فيه، وهو ما يُخرجها عن كونها أسئلة تحتاج إلى إجابة، وكذلك تحولت تصرفاتنا وردود أفعالنا إلى نوع من الأنانية والأثرة والجشع وحب الذات، بل أحياناً نحمّل تصرفات الآخرين وردود أفعالهم ما لا تحتمل، ونضع لتصرفاتنا وردود أفعالنا حسابات مبالغ فيها، وأيضا تبلَّدت أحاسيسنا ولم تعد تهزُّنا أي أحداث سواء كانت محزنة أو مفرحة.

 

لقد فقدنا حلاوة الفطرة، التي بطبيعتها تمثل الإنسانية والبساطة والتلقائية والعفوية في أسمى معانيها، ودخلنا في غابة موحشة من التعقيد والحسابات المبالغ فيها وتحميل الأمور ما لا تحتمل (والتفكير العميق جدا)، فصارت إجاباتنا غامضة وأسئلتنا معقدة، وتصرفاتنا مع الغير وتصرفات الغير معنا مريبة ومشاعرنا متبدلة، ففسدت أخلاقنا وتوتَّرت أعصابنا وزاد همنا، وزادت بزيادة كل هذه مشاكلنا تعقيداً.

 

الجانب السوي في الفكر والتربية والسياسة وبناء العلاقات والتواصل مع الآخرين مبني على اليُسر والسهولة والبساطة والوضوح (في حال أردنا حياة سوية)، وكلما غرَّدنا بعيدا عن نطاق الفكرة الإنسانية أدخلنا أنفسنا أكثر في تعقيدات الحياة لا من أجل حلها بل من أجل زيادة تعقيدها.

 

نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نعيش وفقاً للفطرة الإنسانية فنرتاح ويرتاح من حولنا، أو أن نحوّل حياتنا إلى شبكة من التعقيدات والغموض وتحجّر المشاعر، وعندها فلا نلوم إلا أنفسنا

هذه الفطرة الإنسانية "فِطْرةَ الله التي فَطَرَ النَاسَ عَليهَا"، هي التي يعيش بها العالم المتحضر اليوم، فتجد البساطة في تغيير من يحكمهم، واستبدال من يدير أمورهم، والبساطة في حلّ نزاعاتهم، وفي بناء علاقاتهم، وتداول الأمور في حياتهم، بينما لا زال التكلُّف والغموض والتعقيد هو سيِّد الموقف لدينا. فالفطرة هي منهج الإنسانية، وهي فوق ذلك منهج النبوة والأنبياء جميعاً، فنبينا صلى الله عليه وسلم "ما خُيِّرَ بين أمرين إلا أختار أيسرهما"

 

قد يقول قائل: ما هذا التسطيح والسذاجة والعفوية التي تطرحها؟ وقد يكون معه حق في طرح هذا السؤال، أتدرون لماذا؟ لأن الواقع الذي صرنا نعيش فيه قد تشرّب ثقافة الغموض والتعقيد (واللف والدوران) وجُمود المشاعر، وأصبحت أخلاق الفطرة كالبساطة واليُسر والتلقائية والوضوح والضمير الحي غائبة عن حياتنا.

 

نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نعيش وفقاً للفطرة الإنسانية فنرتاح ويرتاح من حولنا، أو أن نحوّل حياتنا إلى شبكة من التعقيدات والغموض وتحجّر المشاعر، وعندها فلا نلوم إلا أنفسنا.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة